تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت طنجة مثلهما ثم تحررت، فلماذا لا تتحرر المدينتان أسوة بطنجة وسنغافورة وهونج كونج وكيب تاون وربما أيضا قناة السويس قبل اتفاقية الجلاء 1954م والتأميم 1956م.

ومرة دعاني حزب الاستقلال لألقي محاضرة في فندق فاس عن «نظام الحكم في الإسلام». فقلت ما يعرفه الجميع، صغيرا وكبيرا، مؤمنا وملحدا، أنه ليس نظاما إلهيا أو ملكيا أو وراثيا. واستشهدت بآية

إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، وأن نظام الحكم في الإسلام شورى، وأن مقاومة الحاكم الظالم جزء من واجب العلماء بناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فغادر بعض الأساتذة من الصفوف الأولى، ولم أفهم ما السبب. وأضفت أنه لا يجوز تقبيل يد الحاكم أو قدمه أو حافر حصانه لأن قدره لم يصل بعد إلى تقبيل القدم. وجاءت الشرطة إلى المنزل لاستجوابي في قسم الشرطة، وسألوني: إذا كنت أقصد فعلا ملكا بعينه؟ ألا أقبل يد الوالد أو الوالدة؟ فأجبت بالنفي. وما كان أسهل من الرد علي بالقول بأن سياق هذه الآية هو النظام الفارسي، نظام الكياسرة، والنظام الروماني، نظام الأباطرة! وقد كان داود ملكا على بني إسرائيل، وكانت سبأ ملكة على شعب اليمن وآمنت بنبوة سليمان، ولكن «اللي على رأسه بطحة يحس بها» أو «لك الكلام يا جارة». وظللت تحت الاستجواب، ورفضوا أن أتصل بالأسرة لأطمئنهم علي خاصة وأن حادثة بن بركة في الأذهان. وظل محمود إسماعيل وطه المصري الأستاذ الذي كان لصيقا بالعميد الفاسي يبحثون عني. وأخيرا جاء القرار بأن أترك البلاد في ظل أربع وعشرين ساعة، ثم أفرج عني، وذهبت إلى المنزل والأسرة تبكي. وهنا ذهب محمد عزيز لحبابي إلى بن سودة المسئول عن الجامعات في القصر، وأخبرهم أنها ستكون فضيحة لو طرد هذا الأستاذ الكبير من المغرب، فطلبوا مني الاعتذار، وعن أي شيء أعتذر؟ عن آية قرآنية لست مؤلفها؟ وأخيرا رضي الملك أن يؤخر مغادرة البلاد حتى 30 يونيو نهاية العام الدراسي من أجل الأولاد في المدارس، وطلبوا من زوجتي التي كانت تدرس اللغة الإنجليزية الاستقالة، واشترطوا علي ألا أتكلم خارج الجامعة. ووقعت مظاهرات الشمال، في الحسيمة والناضور يناير 1984م، مظاهرات الفقراء مثل 18-19 يناير 1977م في مصر، واتهم الملك من جديد الأساتذة المشارقة، مصريين وسوريين وعراقيين بنشر الأفكار الاشتراكية في البلاد، أمر بطردهم جميعا في نفس التاريخ. وأنا أعد العدة للرحيل أعددت بيانا لشعب المغرب: «أتيت المغرب طائعا، وأتركه مكرها». وزع على جميع الطلاب والجامعات. وأرسلت الأولاد الثلاثة: حازم، حاتم، حنين جوا إلى القاهرة، بالرغم من رغبة حازم العودة معنا بالعربة. ولما كنا نخاف عليه وعلى أنفسنا فرجوناه أن يعود مع إخوته بالطائرة. وقد أخبرني المؤرخ الاجتماعي والمؤرخ المغربي علي أومليل الذي أصبح سفيرا لبلده في لبنان أن الفكر الفلسفي يؤرخ قبل قدوم حسن حنفي وبعد مغادرة حسن حنفي، وما زال أثري في المغرب مشهودا، أتلقى اتصالات هاتفية، أساتذة الفلسفة، وكانوا يوما ما طلابي في فاس، ينقلون رسالتي إلى طلابهم؛ فالمغرب هو البلد العربي الوحيد الذي درست فيه سنتين، وتحملني النظام السياسي على مضض هذه المدة. وما زلت أرى أن الطالب المغربي هو أفضل من رأيت من الطلاب العرب. أتوق للحياة في المغرب، أنا والأسرة، ونعتبر هاتين السنتين أجمل عمر قضيناه من حياتنا. بنيت منزلي تقريبا أندلسيا، والسكسك والبسطيلة أحضرهما معي كلما دعيت إلى المغرب. لم أوضع على القائمة السوداء ليحجزوني في المطار كما حدث في تونس في عصر زين العابدين بن علي أو في وقت ما في مصر قبل ثورة 2011م، خاصة إذا كنت عائدا من إيران. وما زال الجلباب المغربي لي ولزوجتي أفضل ما ترتديه في القاهرة. وبعد ذلك بعشر سنوات دعيت إلى عمالة فاس لألقي محاضرة، وكنا كأننا في مظاهرة بميدان التحرير. بعدها دعتني عاملة فاس وكانت من حزب الاستقلال للزيارة في لقاء مفتوح مع طلابي القدامى، وأهدتني إبريقا وصينية وأكوابا ستة فضية، وقالت: إن جلالة الملك يهديك التحية، ويهديك ذلك ليعتذر لك عما بدر منه من عشر سنوات. وأقبل الدعوة لزيارة المغرب دائما، مثل ذكرى الأربعين لصديقي محمد عابد الجابري التي أقامها له الحزب الاشتراكي. وكان الطلبة يصفقون ويهتفون كلما ذكرت مثلا اشتراكيا من القرآن الكريم مثل الأخ الذي له تسع وتسعون نعجة ويريد أن يأخذ نعجة أخيه الوحيدة حتى يستولي على كل شيء. رأيت للأسف بعض الأصدقاء الشيوعيين وقد مالوا إلى الحكومة، وتركوا المعارضة، كما رأيت انتشار الحركة السلفية، ووضع بوابات حديد بين طرقات الجامعة لمنع الطلاب من التجمع مثل الحواجز الحديدية في حرم جامعة القاهرة. وفي عام 1984م قبض على ثمان وثلاثين من طلبة السنة الرابعة من قسم الفلسفة لأول مرة، وكنت أهرب لهم الكتب داخل السجن لعل وعسى. وتلقيت دعوة أخرى للاحتفال بمحمد شكري صاحب «الخبز الحافي»، وكنت من أوائل من كتب عنه بعد أن زرته في طنجة ولكني لم أستطع الذهاب؛ فقد كبر السن، وضعف الجسد، وأصبحت جالسا على كرسي متحرك: غادرت المغرب ولكنه لم يغادرني.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥٩