وكان الصراع في جامعة الأمم المتحدة التي أسسها يوتانت السكرتير العام للأمم المتحدة السابق بين الإداريين والأكاديميين. وقد كتبت مذكرة إلى رئيس الجامعة الإندونيسي، ورئيس قسم العلوم الإنسانية الذي أعمل به برئاسة موشاكوجي. كان الإداريون لهم رؤية إدارية محضة، وكان الأكاديميون لهم رؤية أكاديمية خالصة، وأصروا على تغليب الرؤية الإدارية على الرؤية الأكاديمية، كما أصررت على إقامة سيمينار مرة أسبوعيا ندعو فيه المتخصصين في الجامعات اليابانية ونقضي على عزلة جامعة الأمم المتحدة التي أنشأها يوتانت كجامعة للعالم الثالث، بحيث تفتحها عليه، وتفتح اليابان عليها.
وكانت الفائدة الكبرى هي السياحة في اليابان خاصة رؤية هيروشيما ونجازاكي، وأثر القنبلة النووية عليهما حتى بعد أن أعيد بناؤهما إلا جزءا صغيرا للذكرى. وما يميز الحكم الياباني بالإضافة إلى الديمقراطية الشديدة الحرفية، تقديس الإمبراطور كما هو الحال في المغرب العربي؛ فهو خارج لعبة الديمقراطية، يعيش في قصر في طوكيو هو وعائلته، ولا يكاد يراه أحد إلا نادرا. وناطحات السحاب الطويلة في وسط المدن لا تنفي البيت الياباني التقليدي في ضواحيها، ويظهر الإحساس بالجمال في كل شبر فيها، والخضرة والورود تحوط كل شيء. والكل يشهد بالنبوغ الياباني: أربع جزر بين آسيا والمحيط الهادي لا مواد أولية فيها ولا طاقة ولا أرض، تستورد الطاقة من الخارج، والحديد من جارتها، لديها فقط العقول والسواعد، وأصبحت تنافس أمريكا الممتدة من الأطلنطي إلى الهادي. والصين التي أصبحت الآن الأولى في التصدير نظرا لمساحتها من المحيط حتى أواسط آسيا، أشار إليها المصلحون كنموذج للمسلمين.
وامتحن الأولاد الثلاثة سنواتهم الدراسية قبل الثانوية العامة في السفارة المصرية، وحين أتت الثانوية، اضطرت الأسرة إلى العودة إلى مصر. وكان الأولاد قد دخلوا المدرسة الفرنسية وتعلموا ما استطاعوا، اللغة والعلوم الإنسانية. واضطررت إلى مغادرة منزل الجامعة الكبير والسكن في غرفة أرضية في منزل ياباني بكيشيجوجي. وكنت قد تعرفت على ممرضة يابانية في إحدى العيادات التي تملأ الأحياء، ورحبت أن أعلمها الإنجليزية، واتفقنا على أن تأتي مرة أسبوعيا في نهاية الأسبوع، وفي المقابل تعطيني هي درسا في أساليب الحياة اليابانية، تنسيق الزهور والرقص والموسيقى والرسم. وكانت تأتي ومعها بعض الحلوى والفاكهة من السوبر ماركت القريب من محطة المترو، وتتصل تليفونيا أنها وصلت، فأذهب إلى المحطة على الدراجة لأصطحبها وهي تجلس على المقعد الخلفي كما نفعل في مصر. وبعد الغداء نستريح، ونسمع الموسيقى السيمفونية، حفل السادسة مساء، ثم تغادر. ومرة أتت وهي جادة أكثر من اللازم، فلما سألت: ما الخبر؟ قالت كنت في عملية جراحية. ولما كنت أعلم ضعف مرتبها ساهمت معها بالنصف، وعندما غادرت بعد سنتين كانت تبكي. وأتت زوجتي من القاهرة إلى طوكيو لمصاحبتي في رحلة العودة النهائية، فبكت أكثر لأنني لم أستطع أن أراها بعد ذلك. وغادرت طوكيو في عام 1987م. وراسلتني عندما قرأت عني في صحيفة
Japan Times ، وهي صحيفة بالإنجليزية، ورددت عليها مرة، ثم انجرف كل منا في تيار الزمن. والمرأة اليابانية على الرغم من أدبها وإخلاصها لزوجها إلا أنها تحب الاستطلاع، وتغيير إيقاع الرتابة التي تعيش فيها، والصداقة نوع من المعرفة وحب الاستطلاع، إذا صادقت أحدا فلمرة واحدة، ثم تختفي وكأنه لم يعرفها حتى لا يكون لها سجل وتاريخ؛ فهناك فرق بين الأبدي لزوجها وأسرتها والحب الوقتي العابر لمن لاقته مصادفة وأعجبت به وتريد معرفته.
وكانت فرصة ونحن في اليابان أن نزور كوريا الجنوبية والعاصمة سيول والتي أصبحت نموذجا للتنمية، ورأينا المعابد البوذية. وفي معبد يتكرر بوذا اثني عشر مرة أو يزيد من الكبير إلى الصغير، والابتسامة على وجهه، يد مفتوحة إلى السماء ويد موجهة نحو الأرض كما نقول نحن