تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمرأة المغربية في هذا الوقت كانت حديثة في لباسها وسلوكها؛ فلم تكن الحركة السلفية قد انتشرت بعد، تعتني بجمالها، شعرها، و«مكياجها». وكانت اجتماعية يسهل الحديث معها، يغلب عليها الطابع الفرنسي، وليس الشرقي. وكان معي أخي وصديقي محمود إسماعيل أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس، معارا إلى المغرب. وكنا نذهب إلى المقهى، ونطلب قهوة بالحليب، ونحادث الفتيات على الكراسي المجاورة أو السائرات في الطريق، فلا يمانعن من تبادل الحديث. وكان المصري محبوبا للغاية، خاصة اللهجة المصرية من خلال الأفلام السينمائية؛ فكثير من العرب جذورهم مغاربة، نزحوا من الأندلس مثلي؛ فاسمي حسن حنفي حسنين أحمد حسنين المغربي؛ فقد نزح جد جدي من الأندلس، واستقر في المغرب. وكان كثير من المغاربة في طريقهم إلى الحج يمرون بمصر، ويستقرون بها حين العودة، وهناك حي بالإسكندرية يسمى حارة المغاربة، وما زال الأقارب يسكنون فيها ويعملون بالمهن العربية مثل الحياكة. وكثير من مشايخ الصوفية نازحون من المغرب مثل السيد البدوي بطنطا، والمرسي أبي العباس في الإسكندرية من مدينة مرسيا الأندلسية؛ فالتصوف المغربي رد فعل على انسحاب المسلمين من الأندلس وهزيمتهم أمام فرناندو إيزابيلا لآخر المعاقل في غرناطة، وتسليم عبد الله بن الأحمر قصر الحمراء لهما دون قتال بشرط عدم قيام المارشال بيتان بتسليم باريس للألمان في الحرب العالمية الثانية شرط عدم تدميرها، كنائسها، ومتاحفها، وقصورها.

والعادات المغربية فريدة في نوعها خاصة في شهر رمضان؛ فالصوم واجب ديني. وما إن ينطلق أذان المغرب حتى يبدأ المغربي بأكل الحلوى وشرب الشيشة وربما لعب الطاولة والدومينو وربما المعاشرة الجنسية. ويبدأ الإفطار في الساعة الحادية عشرة ليلا بعد صلاة التراويح ، ثم يبدأ الخروج إلى الشوارع للسمر ولقاء الأصدقاء. أما السحور فقبل الفجر بقليل مع صلاة الفجر. يوم الجمعة أكل السكسك «الكسكسي»، مقدم بالخضار واللحم وليس بالسكر والزبيب في الأفراح كما هو الحال عندنا في مصر، ويقدم على مائدة مستديرة يجلس عليها الضيوف وما تبقى يعطى لأصحاب المنزل، ثم يقدم الشاي الأخضر. واللباس المغربي للسيدات جلباب أخضر طويل، عليه نقوش من خيوط الذهب الصفراء، وتضع السيدة جميع أنواع الحلي في وجهها وعلى صدرها. أما الرجل فيلبس القفطان المغربي الطويل وعلى رأسه الطربوش الأحمر ذو الزر الأسود، وفي قدميه الخف المغربي، لم يتفرنس كما هو الحال في الجزائر وتونس. الحديث عن الدين يسبق الحديث عن السياسة، مؤمن بالقلب ومنفتح حر في السلوك، يتكلم العربية الفصحى قدر الإمكان بالرغم من وجود اللهجة المغربية.

والفقر في المغرب مثل الفقر في مصر، وسكان العشوائيات في المغرب مثل سكان العشوائيات في مصر، والقصور في المغرب مثل القصور والتجمعات الجديدة في مصر، والبطالة في المغرب مثل البطالة في مصر، ومغادرة الأوطان إلى أوروبا في المغرب مثل مغادرة الأوطان في مصر. المرأة في المغرب تعمل ربات بيوت، وتسمى في مصر «شغالة»، وأكثرهن في المغرب، ولكنها تتأنق وتلبس خير ما عندها من حلي وجلاليب مغربية، عملت لدينا أكثر من واحدة تطبخ وتغسل وتنظف. وإذا خرجت الزوجة من المنزل لعملها فإن الشغالة تقوم بباقي الواجبات للرجل مثل إعداد القهوة وغير ذلك، وقد تقوم بما تقوم به الزوجات حين غيابها. والمنزل المغربي منزل عربي أصيل، الديكورات العربية والأرابيسك والأقواس العربية، ما تبقى من الأندلس. في قلب كل مغربي يسكن قصر الحمرا بأعمدته ونوافذه ونوافيره المتسقة. والخضرة في ربوع المغرب تجعله جنة على الأرض، الورود بكافة ألوانها، والروائح العطرة التي تنافس روائح الورود. وتمتد المغرب من طنجة شمالا إلى العيون جنوبا إلى وجدة شرقا، جبال وتلال ونخيل وأشجار. من يعشق الحياة يحب أن يعيش فيها، ومن يعمل عقله؛ فالطالب المغربي خير محاور، ولغته العربية الفصحى سليمة، والابتسامة على وجهه، لا يعبأ بالزمن ، يفضل الاستمرار في الجامعة على أن يتخرج ويصبح عاطلا، وبالرغم من بعده عن الوطن العربي مثل مصر إلا أنه يحمل همومه، وفي قلبها فلسطين، وكما قال الجابري: تمشرق المغرب وتمغرب المشرق. وما زالتا مدينتا سبتة ومليلة تحت الاحتلال الإسباني، لا تثاران في السياسة المغربية خشية أن تطرد إسبانيا المغاربة من على أرضها، طابعها أوروبي وليس عربيا، العرب فيها يهربون ما يستطيعون رجالا ونساء، ولهم أسواقهم، تتركهم إسبانيا في المدينتين يدخلون ويخرجون في مقابل الاحتفاظ بهما إسبانيتين، وتتحول المدينتان إلى غصة في القلب، وأنا ابن جيل التحرر الوطني.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥٨