تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي 6 اكتوبر 1981م ووسط العرض العسكري بطريق النصر، وأمام المنصة، هبطت جماعة من عربة مدججة بالسلاح، وأطلقت النار على الرئيس فأردوه قتيلا، وجرى من بالمنصة ومن هم خلفه. وحمل جثة هامدة بالهليوكوبتر إلى المستشفى العسكري بالمعادي. وكانت جماعة الجهاد، وخالد الإسلامبولي قائد الفريق الذي صوب بمهارة نحو رقبة الرئيس؛ فقد كان بطلا من أبطال الرماية، وتم إعدامه بعد محاكمة عسكرية. ويوم الجنازة لم يحضر إلا بعض الرؤساء الأجانب، وكان الموكب عربة حنطور، ليس جنازة عسكرية، وليس بها أحد من أفراد الشعب. ومن يقارن جنازة الرئيس عبد الناصر وتابوته على أكتاف الشعب بالملايين وهذه الجنازة يدرك معرفة الشعب بالفرق بين الاثنين.

وكان المفصولون أساتذة وصحفيين قد رفعوا أمر فصلهم بقرار جمهوري من الرئيس المغدور بغير وجه حق إلى القضاء ليدرس الأمر. وأصدر الرئيس التالي في يناير 1982م قرارا بإرجاع «من ثبت ولاؤهم» إلى وظائفهم في الجامعة، ورفض هؤلاء العودة إلا مع الجميع وبحكم من القضاء. وبالفعل صدر الحكم بأن الرئيس المغدور قد أخطأ في قرار الفصل، وتجاوز حدود سلطاته لأن الجامعة بها نظامها الرقابي ولجانها القضائية، والصحافة حرة. وعدنا جميعا في أبريل 1982م، وأرجعت إلينا مخصصاتنا، وخرج المعتقلون من السجون إلى القصر الجمهوري ليحاوروا الرئيس في الحريات العامة، وكان فرحا واستبشارا بقدوم عصر الحريات. وفي هذا العام الذي فصلت فيه من الجامعة تفرغت لكتابة «مقدمة في علم الاستغراب» ونشر في عام 1982م بين ناشر وآخر، وكان يمثل الجبهة الثانية من مشروع التراث والتجديد وهو الموقف من التراث الغربي.

وبعد نشر «التراث والتجديد» و«اليسار الإسلامي» جاءني إعلان من المحكمة بطلب من وزير الأوقاف محمد متولي الشعراوي، بأنني مطالب في قضية كفر، ولم أكن قد دخلت المحاكم من قبل إلا مرة واحدة إلى مجلس الدولة في مقاضاة رئيس الجمهورية الذي فصلني وزملائي من الجامعة والصحفيين ومحمد حسنين هيكل والبابا شنودة في مذبحة سبتمبر 1981م. وطلب مني الشنيطي رئيس الهيئة العامة للكتاب الذي نشر «التراث والتجديد» أن آخذ فتحي رضوان محاميا معي. أما «اليسار الإسلامي»، مجلة غير دورية، فلم يصدر منها إلا عدد واحد، وقد نشرته على نفقتي الخاصة، فرفضت بأني قادر على الدفاع عن نفسي. وذهبت باب الخلق، ودخلت على قاض شاب ومدعي الاتهام محامي الحكومة. وشرحت «التراث والتجديد»، وأن هذا الكتيب هو المقدمة لهذا المشروع، وأنه محاولة لإعادة قراءة التراث القديم في ضوء ظروف العصر. أما مجلة «اليسار الإسلامي» فهي نفس الأفكار، ولكن على المستوى الشعبي السياسي المباشر، وهو ما حاول المصلحون جميعا فعله؛ كيف أتقدم محافظا على شخصيتي الإسلامية وفي نفس الوقت أواجه قضايا الاستقلال والتحرر والحرية والوحدة والهوية والتنمية، فسأل القاضي محامي الحكومة: لماذا تريد أن تصادر هذين الكتابين؟ فأجاب: لأن الحكومة طلبت مني ذلك، ولم يقل كلمة واحدة في الموضوع، فأصدر القاضي حكما قانونيا ببراءتي، والإفراج عن كتاب «التراث والتجديد» ومجلة «اليسار الإسلامي». والحكم تاريخي فيه الإشادة بالمفكرين المصريين الشبان، وجهدهم الثقافي. وخرجت من المحكمة وأنا في نفسي أحيي القضاة الشبان المصريين ولعدم وجود دليل لدى الحكومة ضدي للمصادرة. وأعادت الشرطة ما أخذوه من مطبعة الشنيطي التي كانت في خلفية منزله. وسينشر الحكم مع وثائق أخرى في الجزء الثاني من هذه الذكريات «مقالات ممنوعة».

واقترحت جريدة اليوم السابع أن تجري حوارا بيني وبين محمد عابد الجابري في رسائل متبادلة تنشر في اليوم السابع، وقبلنا الاقتراح، ونشر الحوار بعد ذلك في «حوار المشرق والمغرب»، وله الطبعة المغربية الأولى، ثم توالت الطبعات له نظرا لشهرته وصعوبة الحصول على نسخة منه. وقد ترجم إلى عديد من اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية، وذاعت شهرته لدرجة إجراء عدة رسائل علمية عليه؛ فالفكر العربي ليس مجزئا، ولا ينعزل عن بعضه البعض؛ فهذه من الحوارات النادرة التي تربط الفكر العربي مشرقا ومغربا؛ فقد تمغرب المشرق وتمشرق المغرب. لقد تعلم الجابري في دمشق. ودرست أنا بالمغرب، وكلاهما جناحا الوطن العربي، ولبنان الرأس الذي حمل لواء الثقافة والصحافة العربية على مدى قرنين من الزمان. ثم تكرر الحوار بيني وبين منصف المرزوقي صاحب «إصلاح العقل» من تونس، ولكن لم تبلغ شهرته شهرة «حوار المشرق والمغرب». كان مفتعلا، تقليدا للحوار الأول، ليس له موضوع. ومع ذلك قامت حولهما رسالة دكتوره في الصين من د. فوزية عميدة كلية الآداب في جامعة بيكين ، وكانت تلميذتي بالقاهرة بعد أن ترجم الحوار الأول إلى الفرنسية والألمانية، وأثيرت حوله عدة دراسات. ومرة ثالثة أجري بيني وبين صادق جلال العظم من دمشق حول «ما العولمة؟» وظلت الحوارات التالية للحوار الأول تقليدا له. ويبدو أن الفكر العربي لم يتعود على استمرار مثل هذه الحوارات.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥٥