تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودعيت مرة إلى الجمهورية العربية اليمنية لإلقاء محاضرات على طلاب جامعة صنعاء واستدعاني الشيخ الزنداني لقضاء أمسية مع جماعته، وكان رئيس جماعة الإخوان المسلمين اليمنيين، فذهبت، فوجدت جماعة من ثلاثين فردا تقريبا في وسطهم الشيخ الزنداني وبيده «المداعة»؛ أي شيشة ذات خرطوم طويل ملفوف تدور حول أفواه الجميع، فرحبوا بي، وطلبوا مني أن أعرف بنفسي، فبدأت أتحدث عن مشروع «التراث والتجديد»، وكيف أنه يحاول إعادة بناء التراث القديم طبقا لظروف العصر، وهم يسمعون، فتبدو على وجوههم الموافقة وهز الرأس والترحاب بي، وظلوا يسألون وأنا أجيب على مدى ثلاث ساعات أتجنب الدخول في الغيبيات والعقائديات وأضعها بين قوسين، ولا أجيب إلا على المسائل الاجتماعية من عدل وظلم، وحرية واستبداد، وفقر وغنى، وكانوا يمضغون القات، ولا يناقشون وودعوني. وفي الغد، وجدت عربة مصفحة أمام الفندق الذي أسكن فيه كي تأخذني إلى الجامعة، فسألت: لماذا؟ فقالوا: رئيس الجامعة أمر بذلك. واتضح فيما بعد أن الزنداني وأصحابه أعدوا بيانا بتكفيري يبدأ باسم الله والصلاة والسلام على رسوله لأنهم بعد أن استمعوا إلي وقرءوا، تأكدوا أنني كافر ملحد، أستحق العقوبة، فخاف علي رئيس الجامعة، وأمر بحراستي ذهابا وإيابا من الجامعة إلى الفندق، وأن أغادر في الغد ضمانا لحياتي. وكان معي جابر عصفور، ونصحني بسماع كلام رئيس الجامعة، فغادرت في الغد مسلحا حتى المطار.

وأثناء انتفاضة 18-19 يناير 1977م التي كان اليسار هو الذي يوجهها قبض على عبد المنعم تليمة، أودع سجنا في طرة، وذهبنا أنا وزوجتي لزيارته، وكان سعيدا، ولما طلبنا منه ماذا يريد قال: ينقصنا الخضار. وفي المرة الثانية جهزت له زوجتي صينية قرنبيط باللحمة المفرومة، وذهبنا إليه، وأفرغناها في أواني السجن، واسترددنا الصينية فارغة. ونحن في طريق العودة نزلت العربة في حفرة فكسر محورها

Axe . وكلفتنا الكثير، لكن كنا سعداء بأننا قمنا بواجبنا تجاه المعتقلين؛ فعلى الأقل نحن أحرار، مطلقو السراح.

وفي يوم استدعيت إلى قسم مصر الجديدة وأنا ساكن بشارع الحجاز، فذهبت، فقابلني ضابط، وظل يسألني أسئلة لا معنى لها ولا هدف؛ فمن ضيقي كنت أحرك إصبعي السبابة في يدي اليمنى المسنودة على يد الكرسي. ويبدو أنه كان دارسا لعلم النفس، فقال: تحريك إصبعك يدل على أن فيه شيئا تخفيه، فأجبته: أنا لا أخفي شيئا، وأنا أعترف أني من المعارضة، وهذا شيء مشروع.

ودعتني وزيرة الثقافة في البحرين لإلقاء محاضرة عن تجديد الفكر الديني، وقيل لي إنها من الأسرة الحاكمة، وكنت أنا مع الثورة في البحرين، وفهمت بعد الزيارة أن الثورة يقوم بها الإخوة الشيعة الذين يمثلون الأغلبية في البحرين. لقد كنت مع الثورة في أي مكان وفي أي طائفة مثل تروتسكي وجيفارا، ثم فهمت أن الغرض من الثورة في البحرين ليس الثورة بل القضاء على عروبة البحرين؛ وبالتالي تكون البحرين امتدادا لإيران، فقلت إن عرب الأهواز لا يمثلون خطرا على فارسية الجانب الشرقي للخليج، فشرحوا لي أن عرب الأهواز يمثلون أقلية في إيران، أما الشيعة في البحرين فهم الأغلبية؛ فهل من المعقول أن يكون الشيعة هم الثوار وأهل السنة العرب هم المطيعون للحاكم؟ ألا يوجد سنة ثوار؟ وهو نفس الوضع في كل أنحاء الخليج حتى اليمن. أما عمان، الإباضية، فقد كانوا ثوارا في البداية مثل علي بن أبي طالب دون أن يكونوا شيعة. وعرفت جماعة في البحرين يسمون «الشراة»، يبدو أنهم ثوار على الثورة، وهم الذين شروا أنفسهم للشهادة في سبيل الحق. وفي المرة الثانية توقفت في البحرين، ومددت إقامتي يوما زائدا، فأنكروا أنفسهم، فكنت أخشى أن تكون صفة الغدر أيضا قد لحقت بهم كما لحق بدار الأمير، دار نشر شيعية ببيروت، وهي التي قدمتني إلى العالم حسين فضل الله، مؤسس حزب الله، بعد أن غادره، وتبادلنا المؤلفات. المخلصون منهم من هم في معهد الدراسات الفلسفية، للشيخ حراجي ؛ حيث تعاونت معهم في وضع برنامج المعهد، وما زال غير معترف به في نظام التعليم اللبناني، طبعوا كتابي «قضايا معاصرة» (الجزء الثاني) في «في الفكر الغربي المعاصر» للقراءة داخل المعهد، وليس للاتجار به مثل باقي الناشرين اللبنانيين. أقمت لهم عدة محاضرات، واستمعت إلى الشيخ حسن قائد الحزب بمناسبة تحرير أحد أسرى الحزب من السجون الإسرائيلية، وكان جمهورا واسعا، لم أر تنظيم حزب سياسي مثله. ورأيت ما قامت به إسرائيل من دمار في جنوب بيروت، في المخيمات الفلسطينية. وتصورت نفسي هناك ينازعني الولاء بين الحزب والدولة، بين الإسلام والوطن. ورأيت السجون المنفردة التي أقامتها إسرائيل في الجنوب، مترا في متر؛ فيخرج المقاتل من السجون وقد انحنى ظهره إلى الأبد من هذه الأقفاص الفولاذية.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥٦