ومرة أخرى سلمني زوج أختي الصغرى كتيبا مكتوبا من عدة مشايخ لتكفيري لخروجي من الإسلام، ويوزع في المساجد، وكان هو من روادها، فقرأته، كله سب ولعن في الكافر الملحد على طريقة المشايخ وليس حوارا موثقا مطالبا اللقاء، ثم كتبت مجلة روز اليوسف تقريرا عن محاولة اغتيالي؛ إذ قبضت المخابرات العامة على ثلاثة من أصحاب الذقون، يحومون حول منزلي القديم، شارع الحجاز بمصر الجديدة، وكانوا تحت المراقبة؛ فقد كانوا مطلوبين في حوادث أخرى، فقبض عليهم واعترفوا بأنهم أتوا للاعتداء علي، وحوكموا، ولا أدري ماذا كان الحكم. وفوجئت يوما بضابط مدني يأتيني كي يتفقد منزلي الجديد بمدينة نصر من الداخل والخارج، ويتفقد الأسوار وكل الأماكن التي يحتمل أن تخترق للدخول إلى المنزل. وقال إنه كلف من الداخلية بوضع حراسة دائمة على المنزل يوميا، صباحا ومساء، ليلا ونهارا، أربعة حراس في اليوم على التعاقب، كل منها ست ساعات، مجانا، فبنيت لهم كشكا خشبيا بمقعد داخله، داخل المنزل، وراء البوابة الحديدية مباشرة، وكانت الحراسة مسلحة، وطبعا أعطيتهم مكافأة شهرية من عندي، فضلا عن مرتبهم من الداخلية، بالإضافة إلى ما أستطيع من طعام. وظلت هذه الحراسة حوالي تسع سنوات كنت أنام فيها أنا والأسرة مطمئنين. وعندما كتبت مقالا عن «التوريث في القرآن الكريم» رفعت الحراسة في اليوم التالي. وكان التوريث قد أصبح شائعا لخلافة الرئيس الذي قامت ثورة يناير 2011م ضده. وكان الابن قد سيطر على أجهزة الأمن، وهو الذي أعطى أمرا برفع الحراسة. والآن أستعمل كاميرات المراقبة الخفية بدلا عنهم.
وفي خضم الحزن من أجل كامب دافيد ومعاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي اندلعت الثورة الإسلامية في إيران، وعاد الإمام الخميني من منفاه في باريس زعيما لها. وكان هذا حلم حياتي أن تقوم ثورة باسم الإسلام أو أن ينتشر الإسلام كثورة للمضطهدين. وهرب الشاه من جديد، ولم يجد مكانا يقله إلا مصر، ثم يدفن فيه، ورئيس مصر أمريكي الاتجاه، استقبل الشاه أمريكي الاتجاه مثله. وكنت بالكويت مرة على بعد خطوات من إيران، وكان فهمي هويدي هناك أيضا، فطلبت منه أن أذهب إلى طهران، فتكلم مع المهري زعيم الشيعة في الكويت الذي راسل طهران، فرحبوا، وأرسلوا بطاقة سفر، الكويت-طهران، فذهبت وأنا طائر من الفرح. وذهبت مباشرة إلى حارة داخل حارة حيث يقطن الخميني، وكان يصعد فوق السطح ليحيي القادمين جماهير أو بالموسيقى، ويخطب فيهم. ودخلت إليه وكان معه الشيخ إشراقي زوج ابنته والإمام تسخيري الذي يود التقارب بين السنة والشيعة، فأنشأ لذلك مجلة «التقريب». كان الخميني يستمع وأنا أتكلم، فخجلت من نفسي. ألا أستمع إلى هذا الإمام الكبير والقائد العظيم؟ فقال لي من حوله: هو هكذا لا تنتظر منه أن يقول كثيرا. طلبت منه أن أنشر «الحكومة الإسلامية» في مصر فهل لديه شروط. قال: لا، انشره في كل مكان. وطلب ممن حوله أن يكون اللقاء مع العلماء في المنزل المقابل. وكان ورائي قائد من القيادة الليبية يتكلم كثيرا، والإمام الخميني يسأله سؤالا واحدا: أين الصدر؟ وهو الزعيم اللبناني الشيعي موسى الصدر الذي أخفاه القذافي سجنا أم تعذيبا أم قتلا، والخميني لا ينظر إلا إلى الأرض. وذهبت إلى قم وقابلت علماءها، الشيرازي، ورأيتهم وهم يصدرون الموسوعات. ورأيت شابا عراقيا مهاجرا من حكم صدام يصدر مجلة إسلامية أعطيته فيها حديث: قم تسأل والقاهرة تجيب، مما أحزن العلماء؛ فكيف قم تسأل وهي كعبة العلم والقاهرة تجيب؟ وهل القاهرة أعلى من قم؟
وفي ذكرى فيلسوف الإشراق صدر الدين الشيرازي الذي توفي 1050ه الذي يعتز به الإيرانيون لأنه أتى بعد ابن رشد بأربعة قرون، ويعتبرون الإمام الخميني تلميذا له، دعاني الرئيس خاتمي لزيارة طهران والاشتراك في هذه الذكرى. ولما كنت عقلانيا رشديا فجادلت العلماء في الإشراق وفي مسار الشيرازي: من الحق إلى الحق فناء، ومن الحق إلى الخلق نزولا، وليس من الخلق إلى الحق صعودا ومن الخلق إلى الخلق تقدما، فنقدت من الحق إلى الحق لأن أحدا لا يعرفه، كما نقدت من الخلق إلى الحق صعودا طبقا لمحاولتي إعادة بناء التصوف في «من الفناء إلى البقاء»، ونقدت من الحق إلى الخلق نزولا؛ فهذا هو التنزيل، وقد انتهى زمنه بخاتم الرسالات، وأبقيت على من الخلق إلى الخلق، عالم الحياة، والخلاف بين الناس، فأعطاني الرئيس خاتمي جائزة الشيرازي خمسة آلاف دولار، وخصموا منها ألفين نتيجة استضافتي أنا وزوجتي. وسأل عني عندما أتى إلى القاهرة بدعوة من هيكل ولكني لم أكن موجودا بها. وظللت أعتبر صديقا للثورة الإسلامية في إيران بالرغم من معرفتي ببني صدر في باريس، ومجاهدي خلق «اليمين واليسار في الثورة». وبلغت الصداقة القمة في حرب حزب الله ضد إسرائيل، وإطلاق الصواريخ عليها عام 1997م، ثم قاطعتها لما انحرفت، وتحولت من ثورة إلى دولة بفعل الظروف، غزو صدام لها، ثم خاصمتها تأييدا لشعب العراق وسوريا واليمن حتى الآن. وأرفض الذهاب إلى احتفال السفارة الإيرانية عندما أتلقى دعوة للاحتفال بعيد الثورة في فبراير من كل عام. ودعاني رئيس الجامعة مرة وسألني: ما هذه الثورة التي تدعو إليها؟ فقلت له: مثل جمال الدين الأفغاني. فأجاب: شيوعي! ولم أشأ أن أستمر في هذا الاستجواب على هذا المستوى.