وهنا بدأت فكرة «اليسار الإسلامي» في الظهور. كيف أحافظ على التراث الإسلامي كثقافة شعبية وفي نفس الوقت أستخدمه للدفاع عن مصالح الجماهير، وحقوق الفقراء، وكل ما يدعو إليه الإخوة التقدميون. وهو مشروع «التراث والتجديد» على مستوى الثقافة السياسية الشعبية. وهو ما رأيته في جنوب أفريقيا في لاهوت التحرير واللاهوت الأسود. وما رأيته في المشاريع النهضوية في ماليزيا وإندونيسيا. وما رأيته في جماعة 15 / 21، الجناح اليساري في حزب النهضة في تونس. وهو ما يحدث في تركيا بعيدا عن أيديولوجية الجيش بعد ثورة كمال أتاتورك الذي أراد تقليد الغرب والقطيعة مع التراث الإسلامي، ثم التحول إلى الضد، إلى الأيديولوجية الإسلامية مع أربكان ، والقطيعة مع مظاهر تقليد الغرب، ثم الآن حزب العدالة والتنمية لأردوجان الذي يجمع بين التراث والتجديد، بين الإسلام والتقدم. وهو ما أحاوله في مصر إلا أنه لم يجد قبولا لأن الصراع بين التيارين شديد، ولا أحد يريد أن يحاور الآخر؛ فالتقدم عند الإسلاميين علمانية وتقليد للغرب، مادية وإلحاد. والإسلام عند التقدميين غيبيات واغتراب عن الواقع، ويمين سياسي. ولا يمكن الجمع بين الاثنين، كما لا يمكن فصل تيار الإسلام المستنير عن حزب التجمع كقوة سياسية عن القوى الخمس المكونة له كما أراد كمال الدين رفعت صاحب الفكرة. كنت إخوانيا فخرجت بسبب موقفهم السلبي من ثورة مصدق، ثم كنت يساريا وخرجت بسبب موقفهم من الإسلام التقدمي أو الإسلام الثوري. وبدأت في تصور اليسار الإسلامي على المستوى النظري الخالص دون إمكانيات تنظيمية أو رغبة في السلطة والحكم، كما تريد كل الأحزاب.
وكان الرئيس قد صفى الناصريين من الحزب ومن الدولة فيما سماه ثورة 15 مايو عام 1974م، كما صفى الرئيس الحالي بعد 30 يونيو جهاز الدولة من الإخوان. وكان السؤال: هل الناصرية أيديولوجية فوقية يسهل تصفيتها؟ أين جماهيرها التي نزلت لتوديعه إلى مقره الأخير؟ وهل الدولة كانت مستعدة لهذا الانقلاب من الاشتراكية العربية إلى الرأسمالية الأمريكية؟ وهو الشعار المستمر حتى الآن والتي ولدت الفساد والاستبداد والفقر والإحباط والتشاؤم انتظارا لثورة الغلابة ثم ثورة الجياع، وثورة «الجرابيع».
وقامت مظاهرات 18-19 يناير 1977م ضد الانقلاب على الناصرية. ورفعت الجماهير صور عبد الناصر من الإسكندرية إلى أسوان، واستولت على الجمعيات التعاونية، وهي ثورة الفقراء ضد سياسة الانفتاح. واستعد الرئيس بطائرته إلى الهرب من أسوان، ولكن الجيش تدخل، وقمع المظاهرات، وأعاد الرئيس إلى قصر الرياسة. وخطب الرئيس، وسمى المظاهرات «انتفاضة الحرامية»، وقبض على زعمائها من قادة اليسار. ولما شعر بضعف موقفه في الداخل أراد الاعتماد على الخارج، فزار إسرائيل في نوفمبر 1977م داعيا للسلام، ثم ذهب إلى كامب ديفيد في الولايات المتحدة الأمريكية للقاء رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيجن، رئيس جماعة أرجون الإرهابية في 1978م، ثم عقد اتفاقية السلام عام 1979م، والأراضي العربية في الضفة الغربية والجولان ما زالت محتلة، وسيناء منزوعة السلاح، فأصبح مغضوبا عليه من كل القوى الوطنية، إسلامية ويسارية في مصر والوطن العربي، وقاطعته جامعة الدول العربية والتي انتقلت من مصر إلى تونس. ولم يتصور المصريون وجود سفارة إسرائيلية وسفير إسرائيلي على ضفاف النيل بالقرب من جامعة القاهرة مهد الوطنية والمقاومة ضد الاحتلال. واشتدت المقاومة للنظام حتى أصدر الرئيس قرارات سبتمبر 1981م الشهيرة بإخراج حوالي سبعين أستاذا معارضا من الجامعة، وتحويلهم إلى وظائف إدارية في المصالح الحكومية مع خصم كل الزيادات الجامعية. وحولني إلى وزارة الشئون الاجتماعية، وكنت أستاذا فأصبحت درجتي وكيل وزارة، واحتاروا في الوزارة أين يضعونني، فطلبوا مني البقاء في المنزل. وفصل حوالي سبعين صحفيا، وحولوا إلى وظائف إدارية، وقبض على محمد حسنين هيكل مع غيره من الصحفيين، وأرسل الأنبا شنودة إلى دير في الصحراء.