تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانتدبت إلى كلية الإعلام كي أدرس الفكر العربي المعاصر للسنة الرابعة عامي 1976م، 1977م. وكنت أربط الفكر بالواقع؛ أي بالسياسة. وكان الطلاب في غاية النضج، يناقشون ويجادلون. وكنت أتخلى عن المنصة، وأجلس مع الطلاب، وأكلف بعض الطلاب بالحديث بدلا عني حتى أبين لهم أن الفكر ليس له أستاذ. وكان حمدين صباحي، رئيس نادي الفكر الناصري، يجلس في آخر صف ليسمع ويناقش. سعدت بهذا المستوى العالي من الوعي الفكري والسياسي، ثم ألغي المقرر بعد مظاهرات يناير 1977م، ما سميت «انتفاضة الحرامية»، عندما خرج شعب مصر كله من الإسكندرية إلى أسوان يطالب بخفض الأسعار التي رفعتها حكومة ممدوح سالم، فتراجع على الفور بعد أن استعد الرئيس المغدور إلى الهرب بطائرته من أسوان إلى طهران عند صديقه الشاه، وحليف أمريكا. وذكرني كثير من الإعلاميين الآن بهذه السنوات، كما ذكرني رئيس الجامعة جابر نصار بالستينيات بعد هزيمة يونيو 1967م عندما كنت أتحدث عن فلسفة المقاومة، وكان طلبة الجامعة من كل الكليات خاصة كلية الحقوق التي أمام الآداب يحضرون لسماعي.

وكنت أعجب من الزملاء الذين يعارون للخارج، ويقضون سنوات الإعارة ثم سنوات مرافقة الزوجة، فإذا انتهت يبحثون عن أي عقد عمل لاستمرار الإعارة. ولما كانت القوانين لا تسمح للتفرقة بين الرجل وزوجه فإنهما يستمران في الخارج حتى سن المعاش، ويفقد فرصة ذهبية في القاهرة لتعليم الطلاب من أجل آلاف الدولارات يبني بها منزلا حين العودة النهائية؛ فيفقد وجوده في جامعته، وأثره في طلابه، وتضيع ذكراه في نفوسهم، ثم يقضون نحبهم فلا يتمتعون بما أثروا، ولا تكون لهم ذكرى في قلوب أحد.

الفصل السادس

| إعادة إشهار الجمعية الفلسفية المصرية ومقاومة الانقلاب على الناصرية (1976-1982م)

أراد النظام السياسي الذي انقلب على الناصرية، من القطاع العام إلى القطاع الخاص، ومن التحالف مع روسيا إلى التحالف مع أمريكا أن يبين أنه نظام ديمقراطي في السياسة، كما أنه نظام حر في الاقتصاد؛ فالليبرالية ليست فقط في الاقتصاد بل هي في السياسة أيضا، فأسس المنابر: الوسط واليمين واليسار. ولما كنت صاحب اليسار الإسلامي فانضممت عام 1976م إلى منبر اليسار ويمثله حزب «التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» برياسة خالد محيي الدين من الضباط الأحرار الماركسي الذي اختلف مع عبد الناصر فأرسله إلى لندن، ثم عاد، ومنذ أن شنق زعماء العمال خميس والبقري الذين طالبوا بحقوقهم أثناء الثورة، وكان يمكن أن يكونوا نصيرا شعبيا له، وكان يتكون من خمس قوى سياسية: الماركسيون، القوميون، الليبراليون، الناصريون، والإسلام المستنير. وبطبيعة الحال كنت في الإسلام المستنير، ولو أنني أفضل الإسلام الثوري، عودا من محمد عبده إلى الأفغاني. والفكرة كانت لكمال الدين رفعت من الضباط الأحرار وقائد المقاومة الشعبية في قناة السويس ضد الإنجليز في 1951م الذي كان إذا ذهب إلى العمل يلبس لبس العمال وهو في الوزارة. ذهبت إليه مع محمد عودة لعرض بعض أمور التجمع عليه، وكنا قلة يرأسنا محمد أحمد خلف الله وأنا وزين العابدين السماك ومحمد عمارة الذي تركنا بسرعة. وكان ضعيف الأثر أمام الماركسيين الذين يسيطرون على قيادة الحزب بما فيهم رئيس الحزب؛ فكان الرأي الواحد هو السائد، وكان الاستبداد هي بنية المجتمع بما في ذلك الأحزاب الليبرالية والشورى الإسلامية. وكنت عضوا بمجلس إدارة صحيفة «الأهالي» ولي فيها عمود كل أسبوع، وكانت تصادر دائما من القاضي أبو سحلي. ومرة زار رئيس البهرة من الهند مصر وزار السيدة زينب، وحول مقبض المقصورة إلى جوهرة، والمقصورة نفسها طلاها بالذهب، فكتبت «ذهب المقصورة أم جوع الفقراء»، وكانت قلعة الكبش خلف حي السيدة، وهي عشوائية أولى بهذا الذهب، فأحزن ذلك الحزب التقدمي! وقال رئيس الحزب الذي كان مسافرا: لو كنت بالقاهرة لمنعت هذا المقال؛ فمعظم أعضائنا في الحزب التقدمي من قلعة الكبش، وهم يقدسون السيدة! وبالتالي سنخسرهم، فكتبت: دور الحزب التقدمي في البلاد المتخلفة، وطلبت مناقشته، وأعطاه إلى يحيى الجمل، فقرأه، ولم يعلق شيئا، وبعد ذلك خرج يحيى الجمل مثلي من الحزب. وفي نفس الوقت اعتبر الحزب ثورة مصدق في إيران التي أمم فيها البترول وهرب الشاه إلى إيطاليا، اعتبرها ثورة شيوعية لأن مصدق كان شيوعيا مع أنه قد صرح أنه تعلم الثورة من عبد الناصر؛ فلم يكن هناك فرق بين الإخوان والتجمع في رفضهم ثورة مصدق واتهامها بالشيوعية، كما اعتبر ثورة الجماهير بقيادة الخميني ثورة رجعية «متأسلمة» بتعبير أحد قيادات الحزب الماركسيين رفعت السعيد. مع أن عبد الناصر كان يمد «مجاهدي خلق» بالسلاح عن طريق بغداد عندما كان أمين هويدي سفيرا، وهو عضو بالحزب، وكان «مجاهدو خلق» مثل حماس في منظمة التحرير الفلسطينية، تمثل يسارها، في حين تمثل فتح يمينها، فأوقفت نشاطي في الحزب دون أن أخرج رسميا منه، وما زال معظمهم أصدقاء ورفاق نضال.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥٢