تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمرأة الأمريكية بالرغم من تحررها في الظاهر إلا أنها مسيحية عقائدية في الباطن؛ فلا تعارض بين الحرية والإيمان، بين الجنس والتقوى، بين لذة الجسد وصفاء الروح. وليس كالثنائية الشرقية كما غناها عبد الوهاب في فيلم أغنية «عاشق الروح» في آخر فيلم «غزل البنات»: «وعشق الروح ما لوش آخر، لكن عشق الجسد فان.» تعرفت على إحداهن كانت تدعو الأساتذة إلى منزلها، تريد صداقة كاملة تؤنسها في وحدتها. وأين لي بذلك وزوجتي تقلق علي إذا تأخرت عن العودة إلى المنزل دقائق معدودة؟ والصداقة تريد وقتا. ومرة أخرى تعرفت على فتاة تسكن بعيدا عن حي الجامعة، فتأخرت في العودة، فقلقت زوجتي، وسألت القاصي والداني أين أنا؟ خاصة وحوادث العنف شائعة، والصداقة تحتاج إلى راحة وليس إلى قلق على قلق.

وفي هذه الفترة ترقيت من مدرس إلى أستاذ مساعد عام 1973م بعد أن قضيت ست سنوات مدرسا، متأخرا سنة واحدة؛ رقتني اللجنة عن جدارة واستحقاق. ولما كنت من المشاغبين في السياسة فقد رفض مجلس الكلية بالألاعيب الإدارية والدينية لأن إيماني أيضا به شكوك. وكنت قد تقدمت بترجمتي لكتاب إسبينوزا «رسالة في اللاهوت والسياسة» وترجمتي لمحاورة «المعلم» لأوغسطين، و«أومن كي أعقل» لأنسليم، و«الوجود والماهية» لتوما الأكويني في «نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط»، كما تقدمت بالجزء الثاني من «قضايا معاصرة» بعنوان «الفكر الغربي المعاصر»، وبعض المقالات في مجلة «تراث الإنسانية». وأعاد مجلس الكلية إلى اللجنة العلمية التقرير، وكان رئيسها الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، فرد عليه قائلا عبارة واحدة، وكان معروفا بإيجازه «إن ناقل الكفر ليس بكافر.» فاضطر مجلس الكلية إلى الموافقة ثم مجلس الجامعة. وعرفت كيف تستغل الاتهامات الدينية لتغطية الاتهامات السياسية، كانت رئيسة القسم معادية لي، وباقي الأساتذة خائفين منها، يتملقونها ، فوافقوا على عدم موافقتها على الترقية؛ فكانت هي القسم. وكان هناك من يقول: إنها ليست اتهامات دينية ولا سياسية بل هي الغيرة، قاتلها الله. واحتفظ العميد بالتقرير حوالي ستة أشهر وهو ينكر وصوله واستلامه، فذهبت إلى البريد وعرفت أنه استلمه مسجلا بتوقيعه، فنظر إلى مجموع المراسلات ورآه، واعتذر أنه كان مختبئا بينها، وعرض على مجلس الكلية في آخر الوقت، والأساتذة قد غادروا، وأيد قرار القسم بأني مشاغب، وأرسل إلى الجامعة، فلم تدر ماذا تفعل: قرار بالترقية من اللجنة العلمية، ولها الكلمة الأولى والأخيرة، وقرار بعدم الترقية لأني مشاغب من مجلس القسم ومجلس الكلية، فأعاد مجلس الجامعة الموضوع إلى القسم لرفع التناقض بين قرار اللجنة العلمية بالترقية وقرار المجلسين الإداريين بعدم الترقية. وقرر مجلس الكلية إرجاع الموضوع إلى اللجنة العلمية من جديد لعلها تغير رأيها، وتحكم بعدم الترقية؛ وبالتالي يرتفع التناقض المطلوب بين القرار العلمي والقرار الإداري، فأعادت اللجنة العلمية نفس تقريرها بأن المتقدم يرقى بجدارة، وأنه هو المحك في الترقية وليس القرارات الإدارية، ووصل إلى الكلية وكان رئيس القسم قد تغير، وأتى آخر قاوم الضغوط عليه بالرفض، ثم عرض على مجلس الكلية، وكان العميد قد تغير، وقاوم المجلس الضغوط عليه بالرفض، ورفع الأمر إلى مجلس الجامعة، وكان العميد السابق قد أصبح نائبا لرئيس الجامعة، فأصر على الرفض، ومعه عميد العلوم، فطلب رئيس الجامعة إبراهيم بدران بالتصويت، فصوت كل مجلس الجامعة لصالحي باستثناء العميد السابق وعميد العلوم. وكان رئيس الجامعة قد نصحني بألا أذيع الأمر إلى الإعلام حتى يمر بهدوء لأن ورائي أساتذة مثل عواطف عبد الرحمن ستكون في نفس الموقف.

وأتى منزلنا أحمد فخري عالم المصريات وقص علينا اكتشافاته بواحة سيوة، فقدرت أكثر فأكثر علماء مصر. وأنا أسكن الآن في شارع لوزاكا المتفرع من أحمد فخري بعد أن سمي الشارع باسمه، ولوزاكا في العهد الناصري والانفتاح على أفريقيا. كما زارني عالم الرياضيات الشهير رشدي راشد والذي زاملني منذ أيام الدراسة في جامعة القاهرة ثم جامعة باريس، واستقر هناك. وتعرفت على مالك بن نبي الذي زار فيلادلفيا بدعوة من جمعية الطلبة المسلمين، وشرح لي أن انفصال باكستان عن الهند عمل استعماري طبقا لقاعدة «فرق تسد»، وأن هذه القسمة هي التي حجزت الإسلام في الهند بعدما كان كالسكر في الماء. وقد كنت من أنصار محمد إقبال، ومحمد علي جناح، فأعدت التفكير في موقفي، وقد يكون مالك بن نبي على حق. وظل السؤال بالنسبة لي: وماذا عن كشمير؟ فمعظم سكانها مسلمون، ولا تريد الهند ضمها إلى باكستان، وما زالت تحت وصاية الأمم المتحدة، وبعد ذلك قسمت باكستان إلى جزأين، الشرقية والغربية، باكستان وبنجلاديش. وما زال مخطط التقسيم جاريا حتى الآن في الوطن العربي للدول الوطنية وتفتيتها إلى دويلات عرقية وطائفية بحيث تكون إسرائيل هي الدولة القومية الأقوى وسط هذا الركام من التفتيت.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٥١