تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الشقة السكنية على ناصية شارع الحجاز وميدان الحجاز كبيرة، أربع غرف وصالة، قفلنا البلكونة فأصبحت خامسة منها حجرة مكتبي، كانت مشغولة قبلي، وأعطاني صاحب المنزل أسبوعين مجانا لو شئت لبياض الشقة لما علم أننا عروسان، كان الإيجار أحد عشر جنيها طبقا للجان تقدير الإيجارات منذ أيام عبد الناصر، وكان يملك مصنعا بشبرا الخيمة، وجاءني مرة وهو حزين لأن أخاه قد قتل، والعائلة تطالبه بالثأر من القاتل وعائلته، وهو في حيرة، هل يفعل أم لا يفعل، وطلب نصيحتي باعتباري أستاذ فلسفة، فنصحته بألا يفعل لأن الثأر حلقة لا تنقطع، وأن هناك قانونا يأخد له حق القتيل من القاتل، فاستمع الرجل إلى النصيحة، ولكن صورته أمام أهله لم تكن كريمة، فاغتم ومات. وتركتها بعد خمسة وعشرين عاما، وفيها ولد الأولاد الثلاثة، حازم 1971م، حاتم 1976م، حنين 1979م، وفيها ظهرت «قضايا معاصرة» (جزءان)، الأول «في الفكر العربي المعاصر»، والثاني «في الفكر الغربي المعاصر»، كما ظهرت «من العقيدة إلى الثورة» (خمسة أجزاء)، «من النقل إلى الإبداع» (ثمانية أجزاء)، و«الدين والثورة في مصر» (ثمانية أجزاء)، وما زلت أحن إليها كلما مررت بها، وقد أصبحت مرة محل كاوتشوك ومرة كوافير. وندمت على تغير رسالة المكان، وقد ملأت طرقاتها بالرفوف لوضع كتبي حتى تراكمت على الأرض، وأحسست بضرورة توسيع المكان، وتركت الشقة لأصحابها دون أن أتقاضي مليما واحدا (خلو رجل) لأنه لم يطلب مني شيئا عندما سكنت فيها، واحدة بواحدة، رجاني فقط أن أسلم الشقة لوالدته لأنها ستكون كبيرة السن، ولا تستطيع صعود السلم في منزل ليس به مصعد.

وكان أقرب الأقسام إلي قسم اللغة العربية حيث كان يدرس أخي سيد وأصدقائي الأوائل مثل عبد المنعم تليمة ونعمان القاضي، ونبتت أفكاري الثورية معهم عندما صفيت المعارضة من الجامعة عام 1981م، كان ستة منها من قسم اللغة العربية حيث كانت تدرس زوجة الرئيس، وأنا من قسم الفلسفة وأمينة رشيد من قسم اللغة الفرنسية وزوجة رشدي راشد السابقة، ثم قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، والشباب فيه مثل عبد المعطي شعراوي وأحلامنا في عمل سلاسل للأعمال الأدبية اليونانية واللاتينية المترجمة، ثم كلية دار العلوم حين كانت عمادته في يد محمود قاسم عندما كانت الكلية في المنيرة، وتعرفت على شباب الأساتذة هناك، قلبي مع دار العلوم، وعقلي مع الآداب، ولكن كلا الطريقين يؤديان إلى نفس الغاية، وبلغة العصر الوسيط المسيحي «أومن كي أعقل»، منهج دار العلوم، «وأعقل كي أومن»، منهج كلية الآداب. يعرفون الحقيقة ويبرهنون عليها، وأنا أبحث عن الحقيقة كي أبرهن عليها. يدافعون عن الله وأنا أدافع عن الناس. لا خلاف بين الإثنين؛ فالله هو رب الناس، ملك الناس، إله الناس. ومن دار العلوم تخرج إبراهيم بيومي مدكور، وسيد قطب، ومحمد غنيمي هلال. وقد تبرعت بجائزة الدولة التقديرية، ربعها لقسم اللغة العربية باسم أخي سيد، والربع الثاني لقسم الدراسات اليونانية واللاتينية، والربع الثالث للجمعية الفلسفية المصرية، والربع الأخير وزعته على الأقارب الذين كانوا يستحقون العون.

وكنت أعجب من الأساتذة الذين يدرسون من كتاب لهم مقرر على الطلاب، والطلبة لا حيلة لهم إلا حفظ الكتاب واستذكاره، فإذا جاء السؤال خارج المقرر اعترضوا؛ فكانوا يذاكرون الفلسفة على أنها واجب للحفظ. أما أنا فكنت أتساءل مع الطلاب عن إشكالات الفلسفة والتي لا إجابة لها عندي أو عند أحد؛ فعندما كنت أدرس أوغسطين في الفلسفة المسيحية كنت أتساءل: هل العلم يأتي من الخارج أم من الداخل؟ (محاورة المعلم). هل المسيحية ديانة وطنية أم ديانة عالمية؟ (دوناتوس). هل أومن كي أعقل أم أعقل كي أومن؟ (أنسليم). هل الوجود له ماهية أم الماهية لها وجود؟ (توما الأكويني). وكنت أعطي الأسئلة أول العام حتى يفكر فيها الطالب. وعندما كنت أدرس الفلسفة الحديثة للسنة الثالثة: هل حرية الفكر خطر على الإيمان وعلى سلامة الدولة أم إن القضاء على حرية الفكر فيه قضاء على الإيمان وسلامة الدولة؟ (إسبينوزا). هل الشك له استثناءات أم شك في كل شيء؟ (ديكارت). اشرح معنى العبارة الآتية: «كان لزاما علي هدم المعرفة لإفساح المجال للإيمان» (كانط). وفي السنة الرابعة في فلسفة التاريخ: كيف ظهرت فلسفة التاريخ في الغرب؟ لماذا غابت فلسفة التاريخ في تراثنا القديم؟ في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ ولم تكن هناك إلا نصوص يقرءونها كديكارت، وإسبينوزا، وكانط، ولسنج، وابن خلدون. والآن في الجامعة المفتوحة أصبحت الجامعة وسيطا بين الأستاذ والطالب في الكتاب المقرر، تشتري الكتاب من الأستاذ وتطبعه وتعطيه للطالب، وتأخذ المكسب المقرر للناشر، ويظل الطلاب في هذه الدائرة، وكنت أحسبهم مثلي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٤٧