تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأثناء حياتي الجامعية لم أرفض أي انتداب ابتداء من قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة عين شمس، عندما كان فؤاد زكريا رئيسا للقسم، وكنا ما زلنا أصدقاء، ثم قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية عندما كان فتح الله خليف رئيسا للقسم قبل أن يغادر إلى قطر، وانتدبني على الرغم من منع صوفي أبو طالب رئيس جامعة القاهرة له، وكان العميد أحمد أبو زيد رئيس القسم. وانتدبت للتدريس في قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة بني سويف والتي كانت حينئذ فرعا من جامعة القاهرة، وكان أخي عميدا لها، وانتدبت للتدريس في فرع الخرطوم قبل أن تستقل الآن وتسمى جامعة النيلين. وعرفت عن قرب الشخصية السودانية، طيبتها وبساطتها وحبها للشعر والأدب. وكانت فرصة أرى فيها بعض المفكرين السودانيين وصوفيتهم؛ مثل محمد محمود طه الذي شنقه النميري بتهمة الإلحاد. ورأيت بعض الأولياء وهم يقبلون أيديهم وأرجلهم ويأخذون بصاقهم ليدهنوا به أجسادهم، ومؤلف أحدهم الرئيسي مجرد تجميع للآيات والأحاديث. ورأيت موالدهم للذكر ليلا في ضوء القمر. وفي الجامعات الأجنبية درست أستاذا زائرا لمدة فصل دراسي واحد أو شهر في جامعات بريمن وفرانكفورت وتمبيريه

Tempere (فنلندا)، وروما، وميلانو، وصقلية، وشاهدت آثار المسلمين فيها.

الفصل الخامس

| السفر إلى أمريكا (1971-1975م)

سمعت نصيحة رئيس الجامعة بأن أقبل دعوة إسماعيل الفاروقي لمزاملته في التدريس في جامعة تمبل بمدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا؛ لأنه قد لا يستطيع حمايتي، بعد أن انتقل إسماعيل من جامعة سيراكوز

syracuse

إلى جامعة تمبل. واستعددت للرحيل، زوجتي وأنا وطفلي حازم وعمره حوالي ستة أشهر؛ إذ كان السفر أول سبتمبر، وهو موعد بداية الدراسة في الجامعات الأمريكية. أرسلت الجامعة لي تذكرة السفر، واقترضت من زوج أختي الكبرى سيد حامد ثمن تذكرة زوجتي حوالي ألف دولار، وكان الدولار وقتئذ بأربعين قرشا أو أقل. وكان مرتبي حوالي ألف دولار، وأرسل إلى أسرتي جزءا. وكانت الجامعة قد حجزت لي سكنا بيورك تاون

York Town . وهو سكن لطلاب الدراسات العليا، وكان في البدروم على الشارع رقم 13 الذي أعبر لكي أكون بالجامعة. بعدها بأشهر قليلة انتقلت إلى سكن آخر في المواجهة للأساتذة في كوني هول

Coony Hall

بالدور الأول، شقة فسيحة بغرفتين مع حائط زجاجي يطل على الحديقة في فناء المنزل، وركب فيه المدير شواية لحفل تعارف كل نهاية أسبوع، وكان هو من تعرف على طالبة كندية تذهب معه إلى غرفته بعد حفل الشواء والبيرة. كانت زوجتي فريدة وابني حازم معي، وكنت أتعرف على الشباب والشابات في الحفل. وكان حازم يمسك شعر الفتيات المستلقيات على الحشيش، وكانت فرصة للتعارف أكثر، وكان ينتظرني خلف الزجاج، ويهلل ويخبط بيديه وقدميه عندما يراني قادما، وأدخل فيشتكي لي أمه، فاستجيب له وأقول: ضربتك أنا عارف حتى يكف عن البكاء.

وجامعة تمبل في فيلادلفيا في وسط الحي «الأسود». وكان إسماعيل الفاروقي حريصا أن يجعل دروسه للطلبة المسلمين في الجامعة مع لقاءات لهم حرة في مركز النشاط الطلابي

Student Activity Center

الذي كنا نؤدي فيه صلاة الجمعة. وفي الغرفة المجاورة جمعية اللواطيين يغنون ويرقصون. ولا تعارض بين المجموعتين في عرف الجامعة طبقا لحرية الرأي، واستقلال الجامعات، والنشاط الطلابي الحر. وكان حريصا على إسلام الآسيويين والأفارقة والعرب والأمريكيين، وهو إسلام تقليدي عقائدي شعائري، على عكس إسلامي أنا الاجتماعي السياسي الثوري، وهو التقابل التقليدي بين اليمين واليسار. كان حريصا على تقوية إيمانهم، والحرص على شعائرهم، وكنت حريصا على تقوية عقولهم، وثورتهم على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وفي مقدمتها الفقر والظلم. نعيد الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة. وكانت هناك محاضرات عامة، نشاط حر للجامعة أشارك فيه ويحضره جميع الناس خدمة للمجتمع، وكنت أخشى من ضعف إنجليزيتي ولكني كنت مفهوما. وكان بيته مفتوحا للطلبة والزملاء وهو ما لم يتعوده الأمريكيون، زوجته أمريكية مسلمة (بيضاء) مثله في العقيدة والسلوك. وكنا نذهب إلى مساجد المسلمين في الشارع الثالث عشر لنخطب فيهم الجمعة ونصلي، ونعطي درس العربية. كان من الأساتذة من يتعاطفون مع إسرائيل مثل فرانك ليتل

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٤٨