تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسافرت إلى مرسى مطروح في رحلة مع بيوت الشباب، وراسلتها شوقا إليها، وجاءتني بهدية صغيرة للذكرى أشبه ما يكون بالإناء العربي، أرضيته خضراء وعليه زينة ذهبية صفراء، ثم دخلت مستشفى هليوبوليس لعملية جراحية، وذهبت لزيارتها مع أخي سيد، وقمنا بما يقوم به المحبون في الواقع أو في السينما. واتفقنا على موعد رسمي للقاء الأسرتين، كان والدها متوفى ولها شقيقة مطلقة ولديها ابن وبنتان والكل يسكن في شقة واحدة بالقرب من ميدان الحجاز بمصر الجديدة، وكنت أنا من مواليد باب الشعرية قبل أن ننتقل إلى العباسية، وكانت هي من مواليد ميدان الجامع قبل الانتقال إلى ميدان الحجاز، فكنا متقاربين من حيث أصولنا الاجتماعية. كانت المشكلة هو الرصيد المالي، لم يكن لدي إلا مرتبي، وهي أيضا مرتبها الذي كان يبلغ ضعف مرتبي، هي تعول أسرتها، وأنا أعول مع أخي سيد أسرتي، فأين لي بالشبكة والمهر والسكن؟ وأين لي بتكاليف الخطوبة وكتب الكتاب والزفاف؟ أخبرها أحد أصدقائها الذي يعمل في الإعلام والسياسة بوجود شبكة للخطوبة بثلاثة جنيهات مثل الماس تماما، وذهبنا إلى الصاغة، واشترينا دبل الخطوبة، وكنا بها فرحين. وعدنا إلى مقهى أعلى سينما ريفولي للاحتفال بها، والنادل ذهابا وإيابا ينظر إلينا وهو يحمل الطلبات، ثم أقمنا ليلة الخطوبة في منزلها، وكان معظم المدعوين من كلية الآداب وفي المقدمة أحمد مرسي وهو يرقص الرقص الشعبي. وجاء أحد أقربائها، قريب عمر مكرم، وكان هو رجل العائلة الحاضر شاهدا على كتب الكتاب، وقد تم في نفس الليلة الخطوبة. وأحيط الدور الأرضي بساتر من محلات الفراشة، وكانت ليلة، الكل فيها سعيد، الوالدان وأخي وزوجته والأخوات المتزوجات وأزواجهن وأولادهن، وشقيقتها وأولادها وأم العروس التي طالما انتظرت زواج ابنتها، وطبعا أنا والعروس. كان الحفل بسيطا، ولم يقدم إلا المشروبات والجاتوه. وقبل انتهاء الحفل رأيت ربما من الأفضل أن آخذ عروسي للسهر في مكان ما. ولما كان جيبي خاويا طلبت من زوج أختي علية د. محسن الطبيب إذا كان معه نقود، فأجاب: خمسة جنيهات، أخذتها سلفا، وذهبت والعروس إلى شارع الهرم في باريزيانا، ورقصنا ثم عاد كل منا إلى منزله.

وكان علي أن أدبر بعض المال للمهر ثم لتأسيس شقة السكن دون أن أفقد الوقت. وكنت قد قرأت «رسالة في اللاهوت والسياسة» لإسبينوزا وأنا في باريس. وكنت أقبل نفس أفكارها خاصة عن العنوان الفرعي «في أن حرية الفكر ليست خطرا على التقوى، ولا على سلامة الدولة، بل القضاء على حرية الفكر فيه قضاء على التقوى، وسلامة الدولة.» وكنت آتي بهذا العنوان الفرعي كسؤال آخر العام في مادة الفلسفة الحديثة، للسنة الثالثة أطلب فيها شرح العبارة. وقمت بترجمتها، وكانت ترجمة جيدة بفضل الصديق فؤاد ذكريا الذي راجع وصحح الترجمة، فكانت من أفضل الترجمات. وله عشرات الطبعات التي لا أعلم عنها شيئا، ومقرر على معظم الجامعات في درس الفلسفة الحديثة. وكانت المكافأة أربعمائة جنيه لم تصرف إلا بعد الزواج والإنجاب بمناسبة حرب أكتوبر 1973م. وكانت الخطوبة عام 1969م، والزفاف في 30 أبريل 1970م في نادي التوفيقية حول موائد وأطباق في كل منها إصبع موز وبجواره زجاجة كوكاكولا، وفي الطبق قطعة من الحلوى، وتورته دورين أحضرها أخي سيد. وأنجبنا حازم الطفل الأول عام 1971م، وهو الآن وزير مفوض وقنصل مصر في بورتسودان بالخارجية. وقد غنى فيه العزبي الذي كان زميلا لنا في الثانوية، خليل أغا، مع أبو زهرة، وغنت مها صبري بدون «نقطة» لأن أخي سيد كان أستاذا لشقيقتها، وطلبت فقط أربعين جنيها للعازفين دفعها أخي سيد. وصاحبنا مصور إلى منزل الزوجية في عدة أوضاع منها العريس يحمل العروس. ولولا أخي سيد ما كان الفرح قد تم. كان معظم الحضور من الأقرباء وزملائي في كلية الآداب وزملاء العروس في الجامعة الأمريكية، وأقارنه الآن بالأفراح في الفنادق خمسة نجوم والتي تنفق فيها عشرات الآلاف.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٤٦