تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بدأت التفكير في الزواج بعد أن بدأت في تسديد آخر قسط في جهاز شقيقتي الصغرى نادية، خمسة عشر جنيها شهريا، ولم يبق إلا خمسة عشر جنيها؛ فقد كان مرتبي ثلاثين جنيها كنت أساعد بها الوالد والوالدة لأن معاش والدي، خمسة جنيهات، لا يكفي. وكان أخي سيد قد تكفل بزواج باقي أخواتي، سعاد وفاطمة وعلية، بعد أن تزوجت أختي الكبرى نبيهة على اسم والدتي قبل أن يتوظف أخي. وكنت أعيش من دخلي من المجلات الثقافية، «الفكر المعاصر» و«الكاتب»، و«تراث الإنسانية»، و«المجلة»، وبعض الأحاديث التلفزيونية أعيش من دخلها وأعول أسرتي منها وما تبقى لشراء الكتب، نصوص الفكر الإسلامي؛ فقد كان لدي من الفكر الغربي الأوروبي ما يكفي. وكان البيت مرة خاويا من أي نقود، ورجعت من التلفزيون بأربعة جنيهات، ومررت على والدتي ووالدي، فقالت الوالدة: «عاوزين نبيض الشقة يا أبو علي.» فأعطيتها ما معي، وعدت إلى المنزل خاوي الوفاض كما نزلت، وكانت زوجتي تفعل نفس الشيء مع أسرتها، ولكن كنا سعداء، ونعيش بأربعة جنيهات في الأسبوع بما فيها المواصلات، وكانت الأشياء رخيصة وليس كما هو الآن. كنت سعيدا بشبابي وبشبابها، وكان الحب بيننا هو المانع من أي شقاق نسمع عنه في الأسر الحديثة التكوين وكما تصور الأفلام المصرية.

وأخيرا قدمني عبد المنعم تليمة إلى طالبة دراسات عليا، تدرس المسرح المصري عند يعقوب صنوع بإشراف شكري عياد، وفي نفس الوقت طلبت من أستاذها من يترجم لها بعض العبارات بالفرنسية التي وردت في أعمال يعقوب صنوع، فنصحها بالذهاب إلى شاب أتى حديثا من فرنسا، ويستطيع مساعدتها. وتقابلنا في مكتبة الجامعة، وكنت أقوم بما تطلب وأنا بجانبها أنظر إليها فأرى العينين مع

Eye Liner

الأزرق، وأشعر بالرقة والاحترام. وعرفت أنها تعمل أيضا في مكتبة الجامعة الأمريكية، فتواعدنا مرة في حديقة الجامعة الأمريكية بجوار النافورة، ورأيت جمال القوام وطريقة الحوار المتحضر والرشاقة، وكان ذلك في يوم 7 أغسطس 1969م، وما زلنا نتذكره كل عام، ونحتفل به. وفي نفس الوقت كان لقاء مع محمد حسن خليفة قبل سفره إلى جامعة تمبل لاستكمال الدراسة، وهي الجامعة التي كان فيها إسماعيل الفاروقي الذي دعاني إلى مصاحبته في التدريس بالجامعة بعد أن تعرفت عليه في جامعة القاهرة أستاذا مدعوا من يحيى الخشاب، بقسم اللغات الشرقية، وكان متخصصا في فلسفة الدين أو تاريخ الأديان. ثم تواعدنا على الغداء في نادي التوفيقية الذي كان يحق لأساتذة جامعة القاهرة الاشتراك فيه بخمسة جنيهات، وكانت وجبة الغداء بسبعة عشر قرشا ونصف، وأنا أسبح لأعرض قدراتي الرياضية، حدث ذلك عدة مرات. ومرة وأنا خارج ظهرا لاحظت والدتي أنني لا أتغدى في المنزل، وهي تطبخ لي، وقالت لي: «حاسب ولاد الناس يا أبو علي.» فطمأنتها بأن الموضوع جاد. وسألتها مرة: أتريدين أن تعيشي معي دائما؟ فأجابت: «يا ريت.» فاطمأننت إلى صدق العواطف المتبادلة. وسألت مرة أخرى: ولكني إنسان صاحب رسالة، أعد مشروعا قد ينقذ الأمة من كبوتها، وذلك يقتضي الجلوس على المكتب طيلة العمر، لا زيارات لأقارب أو أصدقاء؛ فوقتي كله للعلم ولأداء الرسالة، فوافقت. ستعيشين مع ضرة، وهو العلم، فوافقت، فاستغربت! وفرحت أن فتاة مصرية لها هذا الوعي العلمي. ولم تطلب هي شيئا، لا خطوبة ولا مهرا ولا سكنا! ولما كانت دفعة جابر عصفور وقد أصبح صديقي طلبت منه أن يذهب معي إلى أسرتها للتعارف فوافق، واتفقنا على الالتقاء في ميدان التحرير، وذهبت قبلها إلى شارع معروف واشتريت بطة، وطلبت من «الفرارجي» لف رقبتها بشريط أحمر وفي آخره «فيونكا»، فطلب من صبيه أن يفعل ذلك، فتردد، وصفعه الفرارجي على وجهه، وقال له: «وأنت مالك.» البيه عاوزها كده، ووضعتها زوجته ثريا وهي من نفس الدفعة في كيس تحت القدمين وهي جالسة. ووصلنا إلى المنزل ووضعته ثريا على الأرض وهي «تقاقي»، فخاف الجميع أولا ثم ضحكوا، ودعتني والدة العروس لأن أذوق منها بعد أن طبختها فاستجبت.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٤٥