تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Gedächtnis Kirche .

وكنت أريد أن أذهب إلى برلين بالدراجة، فأوقفتني شرطة ألمانيا الشرقية عند الحدود في هلمشتت وسألوني: إلى أين؟ قلت: إلى برلين. قالوا: ممنوع تمر عبر ألمانيا الشرقية إلى برلين كمدينة مفتوحة. قلت: وما المانع؟ قالوا: لا يمر إلا من كانت سرعته مائة كيلومتر. كم سرعة دراجتك؟ قلت: عشرين! قالوا: إذن ممنوع. ولا تمر إلا من ثلاثة طرق دولية، من الجنوب ومن الغرب ومن الشمال. فتركت الدراجة في المدينة الحدودية، وأوقفت عربة ذاهبة إلى برلين وركبتها أتوستوب

Autostop ، والرجل لا يتكلم فهو في أرض العدو، وقد عبر لي عن ضيقه بهذا الكبت للحريات. وبعد شهر في برلين عدت إلى المدينة الحدودية بنفس الطريقة، وأخذت الدراجة راكبا القطار من ستراسبوج الفرنسية عائدا إلى باريس. وقد ساعدني على اكتشاف الحياة الصداقات التي أخذتها من الحب الرومانسي، وسكني ببيت ألمانيا، وصديقتي الألمانية والإغراء بها. وكانت العادة القيام بحفلة رقص كل يوم جمعة مساء، وإظهار المهارات في هذا الفن الذي يعتبره البعض غير رفيع، تظهر كل فتاة ممارستها، ويظهر كل فتى براعته، فكنت أعمل مثلهم خاصة أنني كنت رائد اتحاد الطلبة في المنزل الألماني. وكانت هناك ثلاجة بها جميع المشروبات خاصة البيرة، لا يوجد أمامها بائع ولكن مجرد صندوق، يكتب كل شارب ما يشرب في بطاقة باسمه، ويدفع آخر الشهر من نفسه. ولما كنت مصريا متعودا على وجود بائع أدفع له مباشرة، فإنني كنت أشرب ما أريد دون تسجيل بطاقة، وكان من يجمع الحساب آخر الشهر من كبار الشاربين يجد المجموع أقل من المستهلك، وأولهم هو، ليس لأنه لص ولكن لأنه سكير لا يدري ما يفعل، وكان المنزل يدفع ما نقص من ميزانية البار المفتوح «اخدم نفسك بنفسك»

Self-Service . وكنت أشارك في حفلات رأس السنة بتزيين المنزل وزجاجه بالألوان. وكانت الموسيقى بالبدروم، فكنت آخذ كماني ليس فقط لأعزف ولكن أيضا للتعرف على باقي العازفات، وكانت إحداهن تعزف تشيللو، ومرة توقفت، وقالت: زهقت، قلت لها: وأنا أيضا، فتركنا الآلات وقمنا نعزف شيئا آخر. وكان معنا في المنزل طالب تمثيل «بانتوميم» جاء ليدرس مع جان لوي بارو أشهر ممثل للبانتوميم في العالم، وكان يدخل خشبة المسرح في المنزل، ويقوم بالتمرين، ولكنه كان يريد من ينظر إليه، فكان يناديني باعتباري فيلسوفا فنانا: يا حسن تعال انظر، فأحسست بضرورة وجود إدراك الذات حتى يتحقق الموضوع.

وكنت أفتعل مناسبة للتعرف على الجنس الآخر بالمطاعم الجامعية والمقاهي والأندية الرياضية؛ ففي المطاعم أفضل وسيلة للتعرف على جارتي الطالبة هو سؤالها: هل تريدين أن أصب لك الماء؟ هل تريدين قطعة خبز؟ فدورق المياه وسلة الخبز مشتركان على المائدة. ولما طلبت من جارتي: هل تريدين كوب ماء؟ وهي تعلم قصدي، قالت: أنا لا أعاشر، واللفظ الفرنسي أكثر وضوحا

je ne pense pas . ومرة أخرى بعد الغداء ذهبت إلى المقهى أسفل المطعم بعد أن سألتها ونحن في المصعد: أتشربين القهوة معي؟ قالت: إلى اللقاء، وهي تنظر إلي بحب أنها شربت قهوة على حسابي دون أن تعطيني شيئا. مرة ثالثة تقابلنا وأعطتني موعدا على ناصية شارع بول ويش وشارع المدارس، وأتيت في الموعد تماما، وانتظرت ولكنها لم تأت وبتعبير المصريين «فرقعتني» أو «ادتني زومبة» أو «ادتني بومبة». وكان حمام السباحة في الدور الرابع تحت الأرض في بيت الرياضيين الذي سكنت فيه في غرفة مزدوجة، وكانت حارسة الحمام سيدة جميلة، ذات صدر بارز، والسباحون ذوو عضلات بارزة؛ فأين أنا من هذه المنافسة غير العادلة، فعدت إلى الرومانسية من جديد مثل نجيب الريحاني مع ليلى مراد في «غزل البنات».

وفي برلين الغربية زرت جامعة فون همبولت وبحيرة البط، وسكنت ببيوت الشباب، وكنا في الإفطار أنا والشباب نجمع من الموائد المتبقية الخبز والبيض ونفطر به. وما تبقى يكون طعاما لليوم. وعلى الخروج من محطة متحف دالم كانت عربة واقفة تبيع السجق والمسطردة مثل عربات الفول عندنا على نواصي الشوارع والطرقات. وكان أحد الأصدقاء الألمان في باريس قد قدمني لأحد أصدقائه في برلين، فدعاني الصديق في برلين إلى العشاء واستقبلني هو وزوجته احتفاء بالضيف الباريسي. ولما نفدت النقود ولا أعرف أحدا، ذهبت إليه أطلب قرضا، فنظر إلي كيف تحولت من ضيف إلى سائل! وأعطاني ما طلبت. وأخبرني أحد الطلبة ببيوت الشباب أنه يمكنني العمل بالمعارض، وما أكثرها في ألمانيا! أفرد السجاجيد أو أنظم الكراسي، واليومية عشرون ماركا، فعملت وأرجعت ما اقترضت. ولما كان العمل ممكنا نهارا وليلا، فقد كنت أزور برلين صباحا وأعمل ليلا، وأنام في أحد حوائط المعرض كما يفعل الآخرون، ورأيت الألماني وصديقته يفعلان ذلك ، ولا أحد ينتبه إليهما؛ فقد جمعهما الحب والفقر.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٣٨