وبعد العودة إلى فرنسا عام 1960م، والرجوع من مصر بعد رؤية العائلة، وحضور حفل زفاف شقيقتي فاطمة أحسست بتغير في نفسي في طريقة رؤيتي للعالم وسلوكي في الحياة؛ فبدلا من أن أبدأ بالفكر بدأت بالواقع، وهو ما سميته بعد ذلك «من النص إلى الواقع». وبعد أن كنت مثل باقي الإخوة المسلمين أتطلع إلى أعلى أصبحت أتطلع إلى الأمام. وهو ما سميته فيما بعد «من الفناء إلى البقاء». وبدلا من حرصي على الشعائر كمظاهر أبقيت على مضمونها الاجتماعي وهو ما سميته فيما بعد «من أحكام الشريعة إلى أحكام الوجود». وبدلا من أن أهاب وأخشى المرأة بدأت بالمغامرة معها والتعلم من التجارب معها. وبدلا من قراءة النصوص بدأت أعيش الحياة، التجربة الحية. وبدلا من حرصي على الصلاة اليومية أو الأسبوعية أصبحت حريصا على زيارة الأوبرا باعتباري طالب كونسرفتوار مجانا؛ فكان لطلبة الموسيقى بنوار خاص لخمسة أفراد. كنت أرى الطالب يأخذ صديقته الطالبة، تخلع حذاءها وهو يهرش لها قدميها، وأنا أبكي على حالي، وأحزن لثقافتي. ورأيت جميع الأوبرات، وشاهدت جميع المسرحيات، واستمعت إلى مقطوعات الموسيقى السيمفونية مجانا باعتباري طالبا في المعهد. ومرة وأنا أسمع حفلة موسيقية وضعت ما معي من كتب اشتريتها على الأرض، وأزيحها بقدمي تحت جاري، وهو يرجعها بقدمه تحتي حتى شخط في، فأدركت قبح ما فعلت.
وعرفت طبيعة الأوروبي دون تعميم على كل أوروبي؛ فقد عرفت جاك فاندنبرج عندما أتى إلى مصر في كتابة رسالته عن الاستشراق، ولما عاد إلى هولندا واحتجت أعمال هوسرل التي طبعت في هولندا، فأرسلها لي، وكان ل «الفلوران» العملة الهولندية سعران، واحد رسمي وآخر في السوق السوداء، أصر على موقفه، السوق السوداء، وأصررت على موقفي، السعر الرسمي. ولما ذهب إلى مصر حاول أخي إعطاءه المبلغ بالسعر الرسمي فرفض، فجمع له بعض العملة الهولندية وأعطاها له، ومن بعدها وقد سقط من عيني، مع أنه أصبح من كبار المستشرقين الآن، ويعمل في سويسرا، وبذقنه السوداء الطويلة، وشفتيه الحمراء تخيلت أنه دراكولا، مصاص الدماء.
وطالب آخر كان جاري في مدينة أنطوني الجامعية التي كنا نذهب إليها بالصيف حتى تقوم المدينة بإصلاح ما عاب من منازلها، سمعت أنه مريض، فأخذت بعض الفاكهة لزيارته لأن الحائط في الحائط، فشكرني وقال لي للأسف لا يستطيع أن يقدم لي شيئا لأن علبة السكر بها ثلاثون ملعقة، واحدة كل يوم، وعلبة الشاي بها ثلاثون ملعقة، ولا فائض له كي يعمل كوب شاي لي، فاعتذرت أنني لا أشرب الشاي، وتذكرت المثل العربي «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب.» فما الضامن أنه سيعيش إلى آخر الشهر وهو مريض؟
كانت ألمانيا وبرلين في ذلك الوقت مقسمة إلى قسمين: الغربية والشرقية، وبينهما حائط من الجهة الغربية مكتوب عليها كل ما ينكر حرية الغرب واستبداد الشرق، قبل أن يتحطم حين انهيار الكتلة الشرقية في أوائل التسعينيات. وكان هناك ترام يربط بينهما من خلال فردرش شتراسه. وبعد أن زرت المتحف الذي به رأس نفرتيتي الشهير داخل صندوق من الزجاج والذي يقف أمامه الألمان طوابير من الصباح، ورأيت باقي الآثار المصرية القديمة ذهبت إلى برلين الشرقية كي أرى جزيرة المتاحف التي بها كم كبير من الآثار الفرعونية والبابلية والآشورية. ورأيت أهم شارع، وهو طريق ستالين، بعرضه وطوله ومنازله المتشابهة على خط واحد. وكان المارك الغربي بستة دراهم شرقية تقريبا، مع صعوبة نقل أعمال ماركس وإنجلز، فاشتريتهما مع صورته، ونقلت ذلك على الدراجة عائدا إلى باريس. ولما توجهت وأردت العودة إلى باريس أخذت القطار من ستراسبورج عائدا إلى باريس، وهي المدينة التي عليها خلاف بين الألمان والفرنسيين. ولما كنت مغرما بالألمان فقد لففتها بالدراجة ثلاث مرات، من الغرب إلى الجنوب حتى منشن والتي يسمونها ميونخ، ومن الغرب إلى الوسط حتى فرانكفورت ونورنبرج، ومن الغرب حتى الشمال حتى همبورج حتى حفظتها عن ظهر قلب. وما زالت آثار الحرب والتدمير في ذهني ومنها تسمية كنيسة الذكرى