تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما فرنسا فقد زرتها مقاطعة مقاطعة مع صديقتي الألمانية بالعربة؛ غربا وشرقا، وجنوبا وشمالا. ورأيت نيس وكان، وهما ما كنت أسمع عنهما في المهرجانات الدولية للسينما. وأذهب إلى الأحياء القديمة التي لم تطلها يد التدمير في الحرب. وفي طولون تذكرت المدينة التي خرجت منها الأساطيل الفرنسية والبريطانية لهزيمة محمد علي غرب الإسكندرية. ومرة ذهبت إلى سافوا العليا

Lu Haute Savoie

الشهيرة بجبال الألب، ومكان للاستشفاء، ورأيت الثلج في قمتها صيفا وشتاء. وذهبنا إلى لوزان وجنيف لرؤية بحيرة لوزان الشهيرة والقصور على ضفافها، وفيها قصرا الرئيس المخلوع ونجله في زيارتي لجنيف.

وقد زرت إنجلترا بدعوة من جامعة أكسفورد، ووصلت إليها عن طريق النفق البحري تحت الماء الذي يربط فرنسا بإنجلترا، وكنت أخشى في البداية، ولكني لم أخش في النهاية، وتذكرت نفس النفق في إستانبول الذي يربط بين الجانبين الأوروبي والآسيوي. وأخيرا زرت الكوبري المعلق الذي يربط بين الجانبين، وعرفت أن التكنولوجيا ليست وقفا على الغرب، وكانت تركيا حليف الألمان في الحرب العالمية الأولى، وفيها امتد قطار الشرق السريع من برلين إلى بغداد.

كنت أجد نفسي نائما في محاضرات الطلاب المسلمين بشمال أفريقيا؛ فكانت علمية سياسية، في حين عند حميد الله علمية خالصة. وكنت أشعر أنني طليق اللسان عندما أتحدث عن الاستعمار والاستقلال والحرية للشعوب، ومع زميلي رشدي راشد. وفي صيف 1965م أتى المشير عبد الحكيم عامر إلى باريس للإعداد لزيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى باريس للقاء ديجول، وأعدت له السفارة المصرية في باريس استقبالا، وكتبت اليافطات، ورفعت الأعلام، ونظم السفير عبد المنعم النجار استقبالا، وكان من الضباط الأحرار، وجاء الطلاب من كافة أرجاء الدول الأوروبية للمشاركة في هذا الاستقبال. وذهبت وجلست في الصف الأول أمام المنصة. وكان عليها المشير، ود. محمود فوزي رئيس الوزراء، ولطفي الخولي الصحفي بالأهرام، ورئيس تحرير مجلة الطليعة الماركسي المعروف. وبمجرد ما انتهى المتحدث الأول من إلقاء كلمته بعد أن راجع السفير كل الكلمات خشية أن يكون في إحداها ما يغضب النظام ، أحسست بشيء يدفعني، فأخذت الميكروفون وقلت: سيادة المشير، كل هذه الزفة واليافطات والكلمات مزيفة؛ فقد راجعها السفير، ولا تعبر عما يجيش في نفوس الطلاب، ما يدور في نفوسنا جميعا هو منع تجديد جوازات السفر للبعض منا، وعدم تجديد المنح الدراسية لأننا مصنفون بأننا ضد النظام. وسرعان ما اختطف الميكروفون المتحدث الثالث من ورائي وأكد ما قلت، ووقف الطلاب طابورا للحديث في نفس التيار، وأنزلوا اليفط التي ترحب، وعلت الأصوات بالمنع من السفر، والحرمان من حضور جنازة الوالد، فأخذ المشير على غرة، ولم يعرف كيف يرد، وطلب من لطفي أن يرد على هؤلاء الطلبة العاقين الذين لا يعرفون أحوال بلادهم، فرد لطفي أنه اعتقل وعذب، وما زالت آثار التعذيب والكرابيج على ظهره، وكان د. محمود فوزي يبتسم ليعلن عن سروره العميق بخطاب الطلاب وأنه ما زال في مصر رجال.

وعاد المشير إلى القاهرة ليخبر ناصر بما رآه وسمعه في باريس، فطلب منه دعوة ممثلي الطلاب الدارسين في أوروبا ليناقشهم بنفسه في القاهرة في الصيف القادم، وهو ما سمي «مؤتمر المبعوثين». واستدعاني السفير في باريس كي يستفسر مني عما فعلت، فأخبرته أني قلت كلمة صدق، وبدأ في تكوين جماعة طلابية تجتمع في السفارة أسبوعيا لندرس فيها أحوال البلاد استعدادا للقاء عبد الناصر في الصيف القادم في القاهرة. واستعدادا لذلك كنا نجتمع في السفارة «مجموعة باريس»، وأسسنا نادي الطلبة الاشتراكيين من: حسن حنفي، رشدي راشد، حسام عيسى،

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٣٩