وفي صيف 1959مكنت قد شعرت بإرهاق شديد وأنا أصعد أي سلم. فلما ذهبت إلى عيادة المدينة الجامعية وكشفوا علي بالأشعة وجدوا التهابا في الرئتين، وهو مقدمة لمرض السل، فحجزوني في العيادة لمدة أربعة أشهر بعد مقاومة طويلة. شرحت للطبيب كيف أعيش: آكل مرة واحدة في اليوم ظهرا، وأجهد نفسي في العلم والفن؛ فأنا طالب في السربون أدرس الفلسفة، وطالب في الكونسرفتوار أدرس الموسيقى، في الصباح في الجامعة، وبعد الظهر في معهد الموسيقى، وفي المساء أقرأ في أوله، وأعزف مع كاتم الصوت على الكمان في آخره، فاستعجب أنني أحيا حتى الآن، وطلب مني أن أبقى في العيادة أربعة أشهر، آكل أربع مرات في اليوم، وأشرب العصائر، وآكل الفاكهة بين الوجبات، وأغذى بالمحاليل في الشرايين لأنه عندي مرض
BBC ، وهي المرحلة السابقة على السل، فسألت: وماذا عن حجرتي في بيت ألمانيا؟ فقيل: تخليها وتستعيدها عندما تخرج. قلت: وماذا عن كتبي التي أشتريها كل شهر ، النصوص الفلسفية؟ قال: نشتريها لك وتقرؤها في العيادة. ولما حان وقت الخروج وزاد وزني، قال: عليك أن تكتب تعهدا بالاستقالة، إما من الجامعة وتتخصص في الموسيقى أو باستقالتك من معهد الموسيقى وتتخصص في الجامعة؛ أي الفلسفة. وإن لم تفعل فسنرسلك إلى جبال الألب حيث تعيش في قمتها حيث الهواء النقي. وإن لم تفعل هذا ولا ذاك فستنتحر وتقضي على حياتك بنفسك. وكانت لحظة اختيار قاسية. وكيف أترك إحدى معشوقاتي؟ الموسيقى بلا فكر لحن خالص، والفكر بلا موسيقى تجريد خالص. وأخيرا اخترت الجامعة؛ فللفلسفة أتيت، وكتبت التنازل عن المعهد المطلوب وقلبي ينفطر حزنا. وأنا حتى الآن عندما أسمع موسيقى شرقية أو غربية أحن إليها، وأتساءل: هل أحسنت الاختيار؟ وبعد انقضاء العمر وجدت نفسي قد وقعت في الفلسفة الرومانسية، هيجل، فشته، شلنج، برجسون. وقد تكون الظاهريات؛ أي الفينومينولوجيا، التي يقال إنني وقعت فيها هو جمع بين الفلسفة والفن، بين العقل والذوق كما يفعل الصوفية المتأخرون حتى محمد إقبال. وما زالت آثار هذا المرض موجودة على الرئتين كلما قمت بكشف إشاعة على الصدر.
وكانت هناك مشكلة كارت الإقامة الذي يجعل وجودي في فرنسا شرعيا في حال قام شرطي بطلب أوراقي. وأخبرني المخضرمون في باريس بأن هذا أمر سهل، علي أن أفتح حسابا في أحد البنوك، وأضع فيه أي مبلغ، وآخذ دفتر شيكات، فإذا سئلت في المحافظة عن مصادر المعيشة قلت لهم عندي دفتر شيكات، ولا يسألون كم رصيده. وبالفعل فتحت حسابا في
Société Générale
ووضعت فيه فرنكا واحدا، وأخذت كارت الإقامة الذي يتجدد كل عام بنفس الطريقة.
وبعد أربع سنوات عدت إلى مصر لحضور حفل زواج شقيقتي المتوسطة فاطمة؛ إذ إن الشقيقة التي كانت بعدي، سعاد - أطال الله في عمرها - لم تكن قد تزوجت بعد. أما الشقيقة التي بعدي فقد كانت ما زالت تعد الدكتوراه. أما الصغرى فكانت ما زالت طالبة في مدرسة التجارة المتوسطة وليس المعلمات التي تخرجت منها جميع الإخوة البنات. فقررت أن أعود إلى القاهرة في صيف 1960م، وتركت غرفتي بالبيت الألماني للإيجار حتى أعفى من إيجارها الصيفي. وكان علي أن أشتري هدية لأختي العروس وباقي الأخوات وأخي والوالدين. وجاءت سامية أسعد من قسم اللغة الفرنسية التي كانت تسكن ببيت الطالبات بشارع بول ميش، يولفار سان ميشيل، وذهبنا إلى السوبر ماركت لافاييت عند سيفر بابليون، واشترينا أقمشة فساتين للبنات. وكان أحد الطلبة الألمان، كبير السن، قد قرر أن يذهب إلى مارسيليا بالسيارة، فذهبت معه كي آخذ السفينة من هناك إلى الإسكندرية، وكان يقود ليلا وبسرعة، فأرى الأشجار يمينا ويسارا تتوالى في ضوء كشافات العربة. أما أنا فكنت أنام بين الحين والآخر، فيوقظني غاضبا حتى لا ينتابه النوم هو أيضا. ووصلنا في الصباح، وذهبت إلى ميناء مارسيليا، وأخذت السفينة إلى الإسكندرية. وكان أخي بانتظاري والوالد والوالدة وزوج شقيقتي الكبرى سيد. ووصلنا إلى القاهرة، وكانوا قد غيروا السكن من باب الشعرية إلى العباسية، من شارع البنهاوي درب الشرفا إلى شارع أحمد سعيد في فيلا ذات دور واحد بحديقة مكثت فيها شهرين، وحضرت العرس. وأردت توزيع الهدايا على إخوتي فردا فردا، فأخذتها أختي العروس كلها بحجة أنها هي التي تحتاج إلى الأقمشة، ولم يحزن أحد. وفي ليلة العرس لبست شقيقتي الأكبر من العروس فستانا عاري الصدر، فرفض والدي وأخي، وأقنعتهما أن هذا طبيعي؛ فالأصغر منها تتزوج وهي الأكبر لم تتزوج؛ فلعل في هذا العرس يأتيها من يطلب يدها، وأنا قادم من باريس ولا حرج. وفي طريق العودة حيث كانت السفينة تتوقف ليلة في أثينا حيث يرى البحارة ذويهم، رأيت عبد المعطي شعراوي الذي كان يدرس فيها، وقضيت الليلة معه حتى عدت في الصباح إلى السفينة لاستئناف الرحلة إلى مرسيليا، ومن هناك أخذت القطار السريع إلى باريس، ولا يتوقف إلا في ليون بعد اختراع القطارات فائقة السرعة، أربع ساعات بدلا من ثمان.