وكان معنا كامل يوسف سلامة من كلية الحقوق. وفي الصيف كنا نجلس على المقهى للعب الطاولة، وبمشروب واحد (حاجة ساقعة). نجلس طول المساء نتحدث عما سنفعل بعد التخرج. كامل كانت له رؤية واضحة في أن يصبح وكيل نيابة، وكان هذا اللقب في جيلنا له هيبة كبيرة. وبينت أنا أنني سأصبح معيدا لتكملة الدراسات العليا في الداخل أو في الخارج. وطه لم يكن له رؤية واضحة؛ فالأمر يتوقف على مجموع درجاته حتى التخرج. وقد سكنت الدور الأول ومكتبتي في البدروم، وأبنائي فوقي، لكل دور. وبعد أن اكتمل بناء البيت العربي وانتقلت إليه عام 1994م، كتبت على الحائط في البدروم «المكتبة الفلسفية المتخصصة». وفي يوم من الأيام جاءتني مصلحة الضرائب كي تعرف كم مكسبي في اليوم منها، فشرحت لها أنها خدمة عامة، فطلبوا إزاحة العنوان، كما أتى مندوب الضرائب العقارية الآن كي يبلغني كذبا، مع أنه بذقن واطمأننت إليه، أنه هناك لجنة أتت وقررت ضرائب ألفين وخمسمائة جنيه على كل ساكن، وعلى البدروم الذي به مكتبتي اثني عشر ألفا ونصف جنيه باعتبارها مخزنا، فاستغربت لأن السكن ليس عليه ضرائب عقارية، ومكتبتي أين أضعها بعد أن اتسعت على مدى ستين عاما؟ فأخبرني أن الموضوع في «حاجة إلى فلوس» وفرك إصبعيه، أدفع له النصف والباقي بعد الطعن. ثم جاء مرة ثانية يطلب صراحة الفلوس فطردته من المنزل صائحا «لعن الله الراشي والمرتشي.» وأبلغته أن الأمر في يد المحامي الآن وأعطيته اسمه ورقم تليفونه. فخرج منكس الرأس أن الحيلة لم تنفع بعد أن ظن أنني ميسور الحال وأن مكتبات الجامعة ليس بها مثل مكتبتي. ولم يلق اهتماما إلى أن مصاريف الموظفين عندي؛ الممرض، وربة المنزل، واثنين من السكرتارية، والبواب، تبلغ اثني عشر ألف جنيه ومعاش أربعة آلاف جنيه، غير تكاليف الأدوية والأطباء والحياة اليومية وأنا عاجز لا أتحرك إلا على كرسي متحرك.
وفي يوليو 1956م سنة التخرج، ونحن جالسون في شقتنا بباب الشعرية، وكانت غرفة الصبيان تطل على السطح الداخلي الذي هو سقف مخازن السحار، وكنا ثلاثة: أنا وأخي سيد وصديق العمر محمد وهبي عبد العزيز، إذ سمعنا خطاب عبد الناصر في تأميم قناة السويس، فقفزنا من الفرح، وظل بعضنا يقذف بعضا بالمخدات، ومن يومها أصبحنا ناصريين، ونسينا الخلاف بين الثورة والإخوان. وبدأت المؤتمرات؛ مؤتمر لندن وعلي صبري ممثلا للثورة، ولم تنجح مفاوضات القناة؛ فلا حلول وسط بين ملكية فرنسا وإنجلترا لها، وملكية مصر وهي على أرضها. وبدأت تلوح في الأفق بوادر الحرب.
كانت المرحلة الجامعية هي مرحلة الانفتاح على العالم، ورؤية عدة طرق فأيهما أختار، مرحلة الضوء الجلي والمطلوب سلوك أي طريق فيه، وهي مرحلة اختيار أي الإمكانيات أنا مدفوع إليها؟ لم يكن عندي اختيار حر، بل كنت مدفوعا بمصير تحدد من قبل، من البداية إلى النهاية. لم أكن شقيا بل كنت سعيدا لأن الطريق واضح وما علي سوى السلوك فيه.
الفصل الثالث
| السفر إلى فرنسا (1956-1966م)
عشر سنوات في فرنسا غيرتني كلية، وعمقت تجربتي العلمية والحياتية. كان الإصرار على السفر إلى فرنسا دون بعثة أو تكاليف خاصة يحزن الأسرة كلها، وبالأخص الوالدة، كيف سأعيش؟ ومتى سأرجع؟ وأنا أعد عدة السفر ملأت حقيبة كبرى بكتب السنة، وفي حقيبة أخرى مذكراتي التي كنت قد بدأت كتابتها في الصلة بين الفكر والواقع، وأحلامي التي كنت أدونها بمجرد الاستيقاظ. كتب السنة اشتراها لي أخي سيد حتى قبل أن يعين معيدا، واكتفى بالباحث قبل المعيد بعشرين جنيها؛ فمعاش أبي الخمسة جنيهات كانت لا تكفي حتى لإعاشة الأسرة، وكان هناك جوال به خبز جاف وعلبة جنبة صفراء من المعونة الأمريكية. حاولت الأسرة إقناعي بكل الطرق بعدم السفر، وكان هناك طالب أعرف أسرته بدرب البزازرة بجواري اسمه عبد الحليم، وكان بدينا مثل أمه، وكان عقله كذلك، وأبوه ضعيف الشخصية مقارنة بأمه، وكان يأتيني بين الحين والآخر لأشرح له كل مادة عن طريق وضع نسق له لمذاكرتها، أوحوا إلى أمه لمنعي من السفر، فأخذت الحقيبتين والجوال، وأصررت على السفر. وطلب مجمع التحرير أن يأتي الوالد شخصيا ويوقع أمام الموظف المسئول على موافقته على السفر، فذهب الوالد سعيدا حتى أعلم أنه ما زالت السلطة بيديه؛ فهو رب الأسرة مهما عاق الابن الجامعي المتعلم. وذهب معي إلى ميناء الإسكندرية أخي سيد والوالد قبل السفر بيوم. وكان لنا قريب للأسرة ترزي عربي بالمنشية، وهو أخ جدي حسانين تاجر الدقيق ببني سويف؛ فقد كان النزوح دائما من الجنوب إلى الشمال، كما يتم النزوح الآن من الشرق إلى السعودية والخليج أو إلى الغرب ليبيا أو إلى الشمال والأردن، وكما ينزح الإخوة السودانيون والأفارقة من الجنوب إلى الشمال، وكما ينزح كل العرب الآن إلى الشمال، أوروبا بحرا، وكان له ولد في شبه سني أو أصغر، وكان اسمه رشاد، دخل قلبي من أول لحظة، كان طيبا خجولا مثلي، وكنا نسير إلى الميناء وارتبطنا بصداقة نادرة وأنا على وشك المغادرة. ولما أخبرني أخي سيد أنه على صلة بهم كما كان على صلة بباقي أقاربنا ببني سويف، أعطتني زوجة أخي رقم تليفون وعنوان شركته «أولاد المصري» لمواد البناء عرفت أنني سأستعيد صداقة رشاد والأقارب، فاتصلت فرحب بي وسألت عن أفراد الأسرة فتوفي معظمهم، وسألته عن المواد التي تقاوم رطوبة أكبر فقال بخشونة: «معرفش.» ظانا أنني سأستخدمه مجانا بعد أن صرح لي أنه هو الذي جهز شقة أخي على البحر وأنه تغذى معه، فحزنت.