كانت الأسرة ترى المركب تغادر وأنا أرى الرصيف وعليه الأسرة. وغادرت السفينة يوم 11 / 10 / 1956م وهي تبعد شيئا فشيئا، ووصلت مارسيليا. وكانت الوالدة تريد أن ترمي نفسها في البحر لحاقا بابنها، ولكن منعوها. وفي الليل وبعد التوصية كانت توضع لي ملاية على كنب المطعم لأنام، وكنا نطعم مما تبقى من موائد الأغنياء. وفي الليل أرى النجوم في السماء وهي تتقلب يمينا ويسارا طبقا لحركة المركب. ولما كانت المركب يونانية فإنها تبقى أربعا وعشرين ساعة في ميناء بيريه في أثينا ، يلتقي فيها البحارة مع أسرهم، وينزل من يريد، فنزلت بعدما رأيت شيئا كسائح، الأكربولوس، وسجن سقراط، ورأيت أثينا الحديثة وميدان الشهيد الذي به البرلمان. وكانت منظمة أيوكا تعمل من أجل استقلال قبرص، وكانت جزءا من نضال العالم الثالث، وكنا نهتف باسمها باعتبارنا طلبة وطنيين.
وفي اليوم الثاني مرت السفينة من مضيق مسينا الذي كنت أقرأ عنه في الجغرافيا في الثانوية. وكان همي الوصول من مرسيليا إلى باريس، وتعرفت على فرنسية كبيرة في السن وأقرضتني مائة فرنك، ما قيمته عشرة جنيهات، ثمن تذكرة القطار من مارسيليا إلى باريس. ولما تأخرت عليها في السداد هددتني في خطاب بأنها ستشكوني إلى رئيس جامعة باريس. ورددت إليها ما اقترضته منها في أول دخل لي من تدريس اللغة العربية للإخوة الجزائريين.
ولما وصل القطار محطة باريس نزلت منه وأنا لا أدري أين أذهب. وقابلني أحد الفرنسيين وسألني إن كنت أريد سكنا، فوافقت، وأخذني معه إلى منزله، غرفة صغيرة يؤجرها كي يعيش منها. وأعطاني هذه الليلة طبق شربة ساخن حتى أستمر في السكن معه ومع زوجته العجوز مثله. وبدأ الهوام يهرشني؛ فالملابس ما زالت في الحقيبة لم أغيرها منذ أن غادرت القاهرة. ودفعت له ليلة وطلبت الانتظار للباقي حتى تستقر أموري في الجامعة. وما زلت أذكر الحساء الساخن في الليلة الباردة.
وكانت القضية الثانية أين سأقضي الليلة، فذهبت إلى بواب السفارة المصرية في الحي السادس عشر؛ فهو لن يرفض أن أسكن معه عدة ليالي حتى أجد مسكنا لي. وأخبرني أنه ممنوع لأن بواب السفارة موظف في الخارجية، ولا يجوز استضافة أحد عند بواب السفارة. وهناك بيت السفير المجاور المكون من عدة غرف، ولكن سيكون نفس الرد، فاستغربت، ألا يقبل بواب السفارة طالبا سيغير العالم بأفكاره، وهو مشروع «التراث والتجديد». فذهبت إلى مسجد باريس كي أقيم فيه على عادة الطلاب القدامى، فأخبرني الإمام أنه ممنوع؛ فهو مستخدم للصلاة فقط، وسلمني إلى أحد الجزائريين كي أنام معه، وكانت غرفة في فندق في الحي العشرين الذي يقطنه العمال الجزائريون ، ستة على سرير واحد. وطلبوا مني أن أعطيهم دروسا في اللغة العربية؛ فقد كانت فرنسا تريد فرنستهم، استعمار اللغة بعد استعمار الأرض. وكنت أشرب فنجانا من القهوة كل صباح حتى لا يشعر صاحب الفندق أنه لا يستفيد مني شيئا ببقائي مع الإخوة الجزائريين. وكان في وجه أحدهم حب الشباب يهرشها طوال الوقت، وتواعدنا مرة في محطة لوكسمبورج، وفجأة رأيته قبل الموعد بيوم، وأخبرني أنه ظن أنني قد آتي اليوم؛ أي قبل الموعد بيوم؛ فالزمن ليس له مسار، الأمس واليوم والغد يتساوون.
وكنت قبل المغادرة من مصر، أعطاني أحمد فؤاد الأهواني خطابا لأحد تلاميذه في باريس يوصيه مخ بي خيرا، فذهبت إليه وأعطيته الرسالة، فكتب هو رسالة إلى مدام رامبارك مديرة مكتب البعثات التعليمية الفرنسية بالسفارة المصرية بباريس. ولما قرأت الخطاب وضعته على مكتبها مستغربة أنها لا تملك أي سلطة في ذلك، هي فقط مديرة إدارية تنفيذية لما يأتي إليها من تعليمات من إدارة البعثات في مصر. وأدركت ما أسهل الكلام الشفهي أو المدون وما أصعب الأفعال، فأحسست بالحرج أمامها وهي تقول لي إنها لا تستطيع فعل شيء. وقد كنت أضع أملا كبيرا فيها وفي خطاب التوصية الذي كنت أخشى أن يضيع ويضيع معه مستقبلي.