تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبقدر ما كنت فرحا في السنة الرابعة بدراسة الفلسفة المعاصرة مع زكريا إبراهيم حدثت عدة أحداث قاسية. أعطانا يوسف مراد درسا في «علم النفس الصناعي»، وكيفية استعمال علم النفس في إدارة المصانع، فاعترضت على المقرر، وأنه استخدام العلم لخدمة المجتمع الرأسمالي، وقياس قدرات العمال لاختيار أحسن عامل لأحسن آلة. وأتانا سؤال آخر العام في الموضوع، وأجبت بنفس الطريقة فعرف ورقتي وأعطاني 12 / 20. وكان لا يوجد أستاذ لعلم الجمال، وكلف الأهواني بتدريسه، وكان السؤال: كيف تختار رابطة العنق؟ وكنت ثائرا على هذا النوع من علم الجمال؛ فقد كنت أنتظر علم الجمال عند هيجل وكانط، فعرف ورقتي وأعطاني 12 / 20. وكان عثمان أمين يدرس محمد عبده في الفلسفة المعاصرة، وكنت ناقدا لحركة الإصلاح بأنها لم تطور نفسها، وأن محمد عبده ليس عقلانيا كما يقال لأن العقل يحتاج إلى وحي ومعه النبي. ولما كان محمد عبده إلها، وبالنسبة لي يمكن تحويل الإصلاح إلى ثورة، فعرف ورقتي وأعطاني أيضا 12 / 20. وبدلا من أخذ 18 / 20 في ثلاث مواد خسرت 18 درجة في السنة الرابعة. وبدلا من أن أنجح بامتياز في السنة الرابعة وأكون طالب امتياز نجحت بدرجة جيد. وكان لدي ست عشرة درجة وفرا في المواد الأخرى أضيفت إلى الناقص فبقيت درجتان تبيح لجان التعويض منحها. وكان الأول في السنة الرابعة هو أخي وصديقي رشدي راشد الذي أصبح عالما كبيرا في تاريخ الرياضيات، ونال العديد من الجوائز العربية، وهو الآن باحث بمركز البحوث العلمية في فرنسا قبل أن يحال إلى المعاش، أتمنى له الصحة وطول العمر والبقاء. وقبل أن تعلن النتيجة النهائية قابلني رئيس القسم يوسف مراد وهو قبطي مصري على السلم الرئيسي وأنا صاعد وهو نازل: أين ستذهب يا حسن بعد التخرج؟ قلت: سأطلب تعييني معيدا بالقسم، ثم أعاد السؤال: في أي موضوع؟ قلت: أحول الإسلام إلى منهج عام للفرد والجماعة. فسأل لماذا؟ قلت لأصلح به حال الأمة، وأنهض من شأنها، وهو مشروع الأفغاني ولكن على المستوى الفكري أولا. فرد قائلا: «كده، طيب.» لا أتهم أحدا بالطائفية ولكني سمعت - فيما بعد - أنه أقيل من الجامعة محالا إلى المعاش بتهمة تغيير نتيجة أحد الطلاب المسيحيين؛ فأعطاه درجات أعلى من طالب مسلم كي ينجح بتفوق، وهذه تهمة أخلاقية أشنع ما يتهم بها الأستاذ الجامعي.

كما حدثت لي صدمة كبيرة في حرية الفكر في الجامعة، وهي الصدمة الثانية. كانت في امتحان اللغة الألمانية التي كانت مقررة علي في آخر سنتين باعتباري طالب امتياز يأخذ لغة أخرى ومادة زيادة. كان مقررا أن آخذها مع الدراسات العليا في قسم التاريخ بينما وضعتنا إدارة الامتحانات بالكلية مع قسم اللغة العربية. وفي الامتحان وجدت الأسئلة مختلفة، فطلب مني المراقب، وكان قبطيا من حرس الجامعة، أن أكتب طلبا للعميد أشرح فيه الموقف. وبالفعل أخذت اكتب طلبا للعميد وبدأ بعبارة «الأخ الفاضل» عميد كلية الآداب، فانتزع مني المراقب الورقة معترضا: هل يكتب لعميد الكلية بأنه الأخ الفاضل، وليس السيد العميد؟ فقلت له: «إن البشر جميعا إخوة لا سائد فيهم ولا مسود.» ويبدو أنه أراد إخراجي من القاعة فلمس قلم الحبر ذراعه وترك أثر الحبر فيه، وحولني إلى العميد، وكان هو يحيى الخشاب (زوج سهير القلماوي)، فحولني إلى رئيس الجامعة بتهمة «قلة الأدب»، الذي كون مجلس تأديب من خمسة أساتذة من ضمنهم أساتذة حقوق طبقا للقانون. وسألني أحد أعضاء اللجنة: هل العميد أخوك؟ فأجبت بحديث الرسول نعم «وأنا شهيد على أن عباد الله إخوان.» ثم سأل: هل تعتقد ذلك قولا وعملا، فكرا وسلوكا؟ فأجبت نعم، أنا لا فرق عندي بين رئيس الجمهورية وجامع القمامة في الشارع؛ فكلاهما يؤدي وظيفة طبقا لتقسيم العمل في المجتمع. فسأل: هل ستبقى على هذا الاعتقاد طول العمر؟ قلت نعم. وأنا الآن في طريقي إلى فرنسا لإتمام دراسة الماجستير والدكتوراه، فطالبوني بالقيام مع التوفيق والنجاح بالموافقة. وعلى هذا الأساس أخذت الورقة البيضاء وهي تعادل تأشيرة الخروج. وبعد عدة استطلاعات وجدت أن أرخص طريقة للذهاب إلى فرنسا هي المركب من الإسكندرية على ظهرها 588222. وكان ثمنها اثني عشر جنيها استطعت توفيرها. وكان معي في ذلك الوقت بهاء طاهر بقسم التاريخ، والسيسي عازف البيانو من قسم اللغة الإنجليزية، وعبد الجليل حسن الذراع اليمنى لتأسيس مجلة «الكاتب»، وكان في قلبه «اليسار الإسلامي»، والذي غادر إلى ليبيا، وربما هو الذي كتب «النظرية الثالثة» بأجزائها الثلاثة للقذافي - وهو تلميذ عبد الناصر - قبل أن يستبد ويتجبر فيعود عبد الجليل إلى القاهرة، ويموت في وطنه. وقد سبقني بدفعة نبيل زكي الكاتب الصحفي بجريدة الأهالي، وجاء بعدي حلمي النمنم الكاتب الصحفي الذي أصبح وزيرا للثقافة، ومكرم محمد أحمد الصحفي الشهير ونقيب الصحفيين السابق، وطه حنفي المليجي الذي كان مدرسا للغة الفرنسية في وزارة التربية والتعليم ثم أصبح موجها عاما لها. جاء لزيارتي بالكلية مرة وأنا أمين اللجنة العامة لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين برئاسة الجوهري، وكنا ندرس موضوعا هاما لا أستطيع أن أترك الجلسة، وما إن انتهت الجلسة وخرجت وجدته قد غادر. خطئي أنني لم أطلب منه الانتظار في الغرفة المجاورة للعميد، ولم أخرج لتحيته أولا وسط الجلسة، وحزنت حزنا شديدا لأنني لم أره منذ أن غادرت إلى فرنسا. يبدو أنه شعر بالإهانة لأني لم أخرج على التو. وقرأت نعيه في الأهرام بعد شهر. يبدو أن التاريخ كان يريد أن يجمعنا من جديد، ولكن الإرادة البشرية عاقت دون ذلك. وكان أقرب الأصدقاء إلي في الجامعة في سنوات الدراسة الأربع. ونظر إلى عيني مرة وأنا في المسجد قبل السفر إلى فرنسا وقال لي: «عيناك تبرقان.» وربما كان ذلك من الحزن لما حدث في الجامعة، والفرح للسفر إلى فرنسا. أما أحمد الكاشف فقد بدأ بهيئة التحرير وانتهى إلى سكرتير محافظ القاهرة. ذهبت إليه مرة لأحل بعض مشاكل رخصة بناء بيتي العربي. بعد أن امتلأت شقتي بشارع الحجاز، وملأت الحوائط رفوفا لاستيعاب الكتب، بنيت منزلا عربيا بمدينة نصر الفارغة في ذلك الوقت؛ بناه نجل شقيقتي علية، وهو المهندس محمد عبد المحسن بعد أن جربت مهندسين ومقاولين آخرين؛ منهم من استولى على كتابي عن المدينة العربية ولم يرجعه. وكنت قد اشتريت الأرض من مفتشة في وزارة التعليم التي كانت تمتلك الأرض وتقسمها على موظفيها بستين قرشا للمتر، واشتريتها أنا حسب إعلان الجريدة بقيمة 180 جنيها للمتر، وكانت تريد المبلغ فوريا ونقدا، فأخذت المبلغ، وظلت هي وأختها يعدون هذا المبلغ الكبير في الحجر وأنا أريدهم أن يقوموا بذلك في المنزل، ثم طمعت في المبلغ والأرض معا، وذهبت إلى كل الهيئات الحكومية لإبطال العقد: المياه، الكهرباء، رصف الطرق، تنظيف الأرض. ولما ظلت تماطل رفعت عليها قضية، فكسبتها، وجعلت الدور الأرضي (البدروم) كله لتنظيم مكتبتي في دواليب جديدة، وأضيف إليها قسم من الدور الأول وبينهما سلم خشبي داخلي. وفي هذا القسم العلوي وضعت الفكر العربي والإسلامي المعاصر؛ مصر، والوطن العربي والعالم الإسلامي، ثم في الجانب الآخر العلوم الإسلامية؛ أصول الدين، وأصول الفقه، وعلوم الحكمة. ولم يبق مكان لعلوم التصوف فنزلت إلى الطابق السفلي، وفيه الفلسفة الحديثة والمعاصرة ابتداء من الفلسفة اليونانية ثم العصور الوسطى، المسيحية واليهودية ثم الإصلاح الديني، ثم عصر النهضة؛ القرن السابع عشر، ثم القرن الثامن عشر، ثم القرن التاسع عشر الذي استغرق جناحا بأكمله، ثم القرن العشرين؛ منهم من قضى نحبه، ومنهم ما زال حيا، ومكتبي وسط هذا التاريخ للفلسفة. وفي طرقة أخرى فلسفة الدين بداية بالاستشراق، ثم الفكر الشرقي القديم ثم المسيحية. وفي آخر الطرقة العلوم الإنسانية؛ علم النفس، وعلم الاجتماع، وما تبقى من العلوم الفلسفية؛ المنطق، وفلسفة العلوم، والفلسفة العامة، وعلم الجمال. وفي الطرقة الأخيرة التي يجلس فيها مساعدي الأول توجد العلوم السياسية والاقتصادية، ومصر والوطن العربي وأمريكا؛ حيث كنت أزمع الكتابة عنها «أمريكا، الحقيقة والأسطورة»، ثم فلسطين وإسرائيل، ثم تأتي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأخيرا بجوار الحديقة الأدب؛ الرواية، والقصة، والشعر، ثم النقد الأدبي. ومنذ عدة سنوات عندما بدأ العمود الفقري يضعف وتغيير بعض مفصلات الفخذ خصصت غرفة بدور السكن، الدور الأول، للبقاء بجوار الأسرة، ولأنني لم أعد قادرا على نزول السلم الخشبي الداخلي أو صعوده. ولما أوشكت أجزاء «التراث والتجديد» على الاكتمال، ولم يبق إلا الجزء الأخير، «الجبهة الثالثة» «النص والواقع»، التفسير الموضوعي للقرآن الكريم الذي أكتبه في الغرفة المأخوذة من شقة السكن، وبعد إلقاء الأساس الأسمنتي وشرعت في بناء الدور الأول رفض مهندس الحي إعطائي التصريح لأنني بعد أن رخصت الأساس كان يجب أن أرخص الأدوار فوقه، «إلا إذا» ولم أفهم. وأنا لم أكن قد بدأت إلا في البدروم حسب نصيحة المقاول، فجاء معي اثنان للموقع للتحقق من صحة أنني لم أبن بعد الدور الأول، فطلب مساعده أن يدخل دورة المياه، فأشرت عليه في المنزل المقابل، ووقف ينتظرني، يشير بيديه، كما فعل حسن يوسف مع نادية لطفي في فيلم الخطايا؛ لأنه يريد أن يأخذ منها موعدا للقاء حبيبها عبد الحليم حافظ نظرا لاعتراض الأب الذي رباه وليس أنجبه، فلم أفهم ماذا يريد. فهمت بعد ذلك أنه كان يريد رشوة للإمضاء، فلما لم أفعل رفض إعطاء الترخيص. ورفعت الأمر إلى القضاء مرة ثانية. فكسبت القضية وخسر. أما موظفة الحي فقد طلبت مني أن أسعى في منحة من معهد الخدمة الاجتماعية لابنتها، وكنت على صلة بأساتذتها، فسعيت ونجحت، ولم تفعل شيئا، كما أشار مهندس الحي الذي بيده الموافقة من عدمها إلى مفتاح عربته وهزه؛ مما يعني أنه في حاجة إلى تكاليف الطريق من منزله إلى الحي، فلم أفهم الإشارة، ولم يرخص البناء.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٢٢