ولما أردنا أن نستعلم عن ماضيها سألناها فعرفنا منها أنها كانت تخدم في شقة لدى الخليجيين العزاب. فخشيت على نفسها منهم بعد أن طالبوها بما لا تستطيع، وخشية أن تكون الشقة مراقبة من قبل رجال الأمن وبوليس الآداب؛ فتركت العمل عندهم.
وعملت لدينا امرأة سمراء الوجه جاءت بتوصية من أحد الأصدقاء. وكانت متوسطة الكفاءة بل ومتوسطة الأمانة أيضا؛ إذ إننا عدنا مرة من أعمالنا أنا وزوجتي فوجدنا الدولاب شبه مفتوح. فلما سألناها عن ذلك، أنكرت. فهددناها، وأخذناها بالسيارة إلى قسم الشرطة. ولما عرفت أننا جادون في اتهامها اعترفت بأنها سرقت أشياء من الدولاب، ووعدت أنها سترجعها إلينا. عدنا إلى المنزل، وأرجعت هي المسروقات بعدها. وبعد مدة سمعنا أنها مريضة بمرض عضال، ثم توفيت. وكنا نرسل إليها الأموال والعيديات كل سنة. وكان نفس السؤال عندي يتردد بلا إجابة واضحة حتى الآن. ما السبب في كل هذا، الأخلاق أم الفقر؟
وذات يوم سمعنا أن ابنتها حلت محلها تعمل في خدمة العائلات التي كانت تعمل عندها أمها.
وكنت أفكر في من المسئول عن هذه الطبقة من الشعب؟ الفقر أم الأخلاق؟ دون استطاعة الإجابة عن السؤال حتى الآن.
وبين هذين القطبين المتناقضين إلى حد التطرف هناك درجات متوسطة بينهما، الأقرب إلى الأمانة المطلقة، كانت سيدة مطلقة وأما لأولاد تعمل عندنا حاليا. تأتي في موعدها في الثامنة صباحا، وتغادر بعد موعدها في الخامسة مساء، تقوم بأعمال التنظيف والطبخ، ولم نر منها أي مكروه، ولها من الكفاءة ما يؤهلها لخدمة الأسرة.
وكانت المساعدات الأجنبيات أقرب إلى الأمانة المطلقة، مثل المساعدات النيجيريات. فأتت واحدة منهن تعمل بكفاءة، كانت تصاحبني في المؤتمرات والندوات العامة في مصر وخارجها. وكانت تقوم بمساعدتي على الاستحمام. وذات مرة وهي تقوم بذلك كانت ترتدي ملابس مفتوحة تكشف صدرها، وقالت لي: إن المرة بخمسين دولارا «فسألتها» وماذا عن مرتبك الشهري؟ «قالت» إن زوجها متزوج من أربع وله منزل كبير في وسط المنازل، وأربعة منازل صغيرة حوله في كل منزل زوجة وأولادها، والزوجة مسئولة عن إعالتهم. فمعظم العاملات من نيجيريا كن يأتين إلى القاهرة للعمل وإرسال المال لأولادهن. وكان الزوج عادة يتزوج بأربع ليس من الإسلام ولكنها عادة أفريقية. وتساءلت بيني وبين نفسي: هل هناك صلة بين هذه العادة وبين الزواج بأربع زوجات في الإسلام وليس أكثر، في الفقه الإسلامي القديم؟
وعملت لدينا ذات مرة مساعدة سودانية مؤدبة غاية الأدب وكانت كفئا. وحدث أن الممرض المرافق لي وقتها تشاجر معها ذات يوم وضربها. وأخبرت أمها. جاءت الأم غاضبة، وبعد أن تشاجرت معنا أخذت ابنتها وغادرت. ولا أدري حتى الآن لماذا لم نصرف الممرض بدلا من أن تذهب المساعدة أو نرسله ليستبدلوه بآخر؟
وكانت أقرب إلى عدم الأمانة المطلقة سيدة أبهرتنا بعملها وبنظافتها ومهارتها في الطبخ. ولم نكن نعلم أن هذا مجرد غطاء لإخفاء جوهرها الحقيقي. أخذت يوما ظرفا به بضع مئات من الدولارات، كان قد أحضرها مندوب جريدة الخليج مكافأة لمقال نشرته، وتركت زوجتي المظروف على حافة الأريكة بعد استلامه؛ لنجده وقد اختفى. وعندما سافرت معي إلى عمان، كان في جيبي أيضا ظرف آخر به مئات الدولارات لم أجده صباحا. وعندما أتت معي مرة أخرى في زيارة للخليج لحضور المائدة المستديرة لكتاب الاتحاد. أعطي لكل باحث جهاز حاسب آلي «لاب توب» وكان به الأبحاث التي سنناقشها في المائدة. أخذت جهازي وأخذت هي جهازا لها دون أن تستشيرني أو تستشير القائمين على الندوة. ولما عدنا إلى القاهرة أعطيت لزوجتي جهازي لأنها تستطيع التعامل معه أكثر مني. فوضعته زوجتي بين كومة الجرائد الأسبوعية التي احتفظت لي بها لأقرأها بعد عودتي من السفر. بحثت عن جهازي فلم أجده. فلما سألت المساعدة عنه، قالت إنها أخذته لأولادها؛ فأصبح معها جهازان، وكانت تسير في ردهات وطرقات الفندق في عمان كما تسير الملكة علياء؛ تضع على وجهها مساحيق التجميل، وترتدي أحدث الأزياء، وزوجا من الأحذية ذات الكعب العالي، فتصبح محط أنظار وإعجاب الجميع، وكنت أخجل أن أقول هذه مساعدتي؛ فقد يذهب الخيال إلى ما هو أبعد. كانت تقف على سلم الفندق في وضع وكأنها مستعدة للتصوير، لا فرق عندها بين المثقف المصري أو الأردني الذين يحضرون المؤتمر؛ فبالنسبة إليها كلهم رجال. وعندما عدنا إلى القاهرة اكتشفت زوجتي ضياع مبلغ من المال؛ فصرفناها من العمل بالمنزل. وكنت في مرة قد اصطحبتها معي إلى البنك فأخذت تنظر للأوراق بتمعن لتعرف كم هي المبالغ الموجودة بالضبط. وفي مرة أخرى ذهبنا لبنك آخر، كنت قد صرفت مبلغ ثلاثين ألف جنيه، وبينما أستلم المال سمعتها تبكي فسألتها لماذا تبكي، قالت: «إن أمها تحتاج المال، وإن أمها بالمستشفى تجرى لها عملية جراحية خطيرة في المخ، وإنها ربما تتوفى لو لم نعط لهم أجرهم.» تصورت نفسي مسئولا عن وفاة الأم لو لم أساعدها. فتبرعت لها بالمبلغ كله ورجعنا إلى المنزل وسافرت هي إلى البلدة التي كانت تعيش بها. وقبل أن تغادر كتبت إيصال أمانة على نفسها في حال لو لم ترد المبلغ. كنت أثق بها كثيرا فأخذت منها الورقة ومزقتها. كنت أومن أن مساعدة المحتاج لا تحتاج إلى وثيقة لإثباتها.