وتعرفت على سائق تاكسي أجرة كان يجمع بعض المهندسين في مكان عمل نجلي المهندس ليوصلهم من وإلى مكان عملهم. وبعد أن قل عمله بالشركة لبيعها لم يجد عملا لدى المهندسين هؤلاء والذين كان يوصلهم يوميا. طلبت منه كمساعدة له أن يوصلني للجامعة مرة أو مرتين أسبوعيا. وذات يوم طلب سلفة مبلغ ستة آلاف جنيه، وأنا ضعيف أمام المحتاجين. فوافقت وأعطيته المبلغ. واتفقت معه أن يردها على ستة أقساط شهريا، كل شهر ألف جنيه. التزم ورد لي قيمة ثلاثة أقساط، وفي الشهر الرابع طلب تأجيل القسط ثم طلب تأجيلا آخر وآخر. وعندما لم يستطع تدبير باقي المبلغ طلب مني ألا أدفع قيمة مواصلتي للجامعة، وأن أركب بها معه إلى أن تنتهي الأقساط. لم يناسبني هذا الحل لأنني لم أكن أذهب للجامعة في تلك الفترة كثيرا، ولم أكن أخرج من المنزل كثيرا. لم أستخدم التاكسي، ولم يرد لي باقي المبلغ. فتوقفت عن التعامل معه، ولم أرغب في أن يستمر في العمل لدي. فصرفته، وضحيت بباقي الأقساط.
وفى يوم أتى سباك ليصلح شيئا في الحمام، وبعد أن أتم عمله غادر. ولما كان الحمام جزءا من حجرة النوم، وكانت عادة زوجتي أن تترك درج الكومودينو الخاص بها في غرفة النوم نصف مفتوح تضع فيه مصاريف اليوم، ولما رأى السباك هذا الدرج نصف المفتوح وهو خارج وبه أوراق مالية سهل عليه أن يمد يده ويأخذها. وكان المبلغ في حدود الثمانمائة جنيه. ولما اكتشفت زوجتي هذه السرقة ونحن لا نعرف السباك أسقط في أيدينا، ولم نعرف ماذا نفعل؟ فنحن لا نعرف له اسما ولا عنوانا ولا رقم هاتفه. وأدركنا أن العيب فينا، وعلى رأي المثل: «المال السايب يعلم السرقة».
أما المساعدات؛ فالأولى ربة المنزل وهي زوجتي الحبيبة. كان تقريبا عشر مساعدات على مدى نصف قرن باستثناء عشر سنوات كنت فيها خارج مصر.
وكانت الشروط في المساعدة التي تعمل عندنا أنا وزوجتي شرطين أساسيين: الأمانة والكفاءة. تأتي الأمانة أولا لأننا لا نحسن الحفاظ على ما لدينا من مال أو مجوهرات. أما الكفاءة فتأتي وتذهب طبقا للتعلم والخبرة وكسب المعرفة. وكن يقضين معظم الوقت بمفردهن في المنزل لأن زوجتي كانت تعمل بالجامعة الأمريكية، وأنا كنت أذهب إلى الجامعة ثلاث مرات أسبوعيا. وأولادنا الثلاثة في مدارسهم. ويمكن توزيع المساعدات الأمينات وغير الأمينات على الإطلاق، يمكن توزيعهن على قطبي الأمانة والخيانة. فكانت الأمينات التامات، مصرية قبطية تتصف بالأمانة، والكفاءة المطلقة في إدارة شئون المنزل من طبخ وتنظيف. فإذا ما عدنا من أعمالنا نجدها تجلس في المطبخ كالحارس الأمين. وإن تعبت تضع ذراعيها وتحني رأسها على المائدة، لترتاح قليلا. وكانت لا تتكلم كثيرا، أقرب إلى الصمت منها إلى الكلام. فلا تنقل ما يحدث في البيت إلى خارجه أبدا سواء بين أفراد العائلة الواحدة من فرد فيها إلى آخر أو خارج المنزل، كما يفعل معظمهن من الثرثارات واللواتي يمكن أن يسببن الانفصال بين المرأة وزوجها بسبب ذلك. وكانت تصطحب معها ابنتها لتدربها على العمل. وكانت لا تطلب أي زيادة في المرتب كما كانت تفعل قريناتها.
وفي أقصى القطب الآخر، هناك المساعدات غير الأمينات على الإطلاق اللواتي كن يسرقن من المنزل كل ما تطاله أيديهن. وكن في الكفاءة على درجة أقل نظرا لانشغالهن بسرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه كالمال والمصوغات. وكانت منهن وعلى رأسهن مصرية مطلقة ترعى أولادها، وتسكن في غرفة فوق السطح، وكما كانت تقول تسقط عليها مياه الأمطار. وكانت تقدم نفسها كخفيفة الظل وتضحك طوال الوقت. أصبحت كأنها عضوة في المنزل مع باقي أفراد الأسرة وليست غريبة عليها. تجلس على الأريكة معنا، وتشاهد التليفزيون معنا، مربعة ساقيها فوق الأريكة. تذهب معنا في الصيف إلى قرية جامعة القاهرة بالساحل الشمالي، تسبح في حمام السباحة معنا، وتأكل على المائدة معنا، تسافر إلى الخارج معنا. ونطلب من الجهة الداعية أن تحول بطاقات الطائرة من درجة رجال الأعمال وهي الدرجة الأولى، إلى الدرجة الاقتصادية وهي الدرجة الثانية حتى تأخذ بطاقة لها كي نصطحبها معنا لترى العالم الخارجي، وحتى لا نتركها بمفردها في المنزل والأطفال يقيمون مع جدتهم وخالتهم. اكتشفت سرقاتها؛ آلة التصوير التي تركناها فوق «بوفيه» السفرة، وأوراقا مالية كنت تركتها في غرفة المكتب، وزجاجات النبيذ التي كانت في الدولاب هدية من صديقي ممثل العراق بالجامعة العربية. كانت قد طلبت «سلفة» مبلغا من المال كي تبني سقفا من الحديد المسلح ليقاوم سقوط الأمطار بعد أن انهار سقف بيتها.