كان والدي وأخي في انتظاري بالميناء، فشحنا صناديق الكتب بعربة نقل إلى منزلي بالقاهرة والذي كنت أشاركه مع والدي السكن به بالعباسية. وقمت وزوج شقيقتي الكبرى بتركيب رفوف خشبية، ودهنها، ووضع الكتب عليها. امتلأت حوائط الغرفة بالرفوف والكتب، وبها سرير ومكتب حتى لحظة الزواج بعد أربع سنوات، نقلتها إلى شقة الزوجية بميدان الحجاز بمصر الجديدة، ثم نقلتها بعد ربع قرن إلى بيتي العربي والذي شيدته على الطراز الأندلسي بمدينة نصر. وخصصت لها مساحة البدروم بالكامل مع جزء من الطابق الأول، صممت دواليب خاصة لها رفوف وأبواب زجاجية، ومن أسفل رفوف ودواليب من خشب لحفظ الكتب بها.
بلغ عددهم ستين دولابا، وبصعوبة صنفت كتبي فيها: الأجنبية الواردة من الخارج، والعربية التي اشتريتها من مصر، غرفة كاملة لنسخ مؤلفاتي، وأخرى لمجلاتي العلمية، وكان مكتبي في البدروم ليس له سقف؛ لأنه مفتوح على حجرة كبيرة على الطابق الذي يليه، بينهما سلم خشبي، ووسطهما فانوس عربي كبير مدلى من السقف، يكاد يلامس الأرض.
وتم إدخال المكتبة بالكامل على جهاز «الحاسب الآلي» في ستة أقسام؛ الأول: الفلسفة الغربية بمراحلها المختلفة: اليونانية، الرومانية، والمسيحية، واليهودية، والإصلاح الديني، وعصر النهضة. ثم العصر الحديث: السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، والعشرين. وقد أخذ القرن التاسع عشر أكبر مساحة.
والقسم الثاني: الفلسفة الإسلامية ابتداء من علم الكلام، والتصوف، وعلم أصول الفقه، ثم الفكر العربي الإسلامي المعاصر والذي ضم أربعة دواليب عن مصر والوطن العربي والعالم الإسلامي . وقد أخذت إيران أوسع المساحات.
والقسم الثالث: فلسفة الدين، عن الفلسفة المسيحية واليهودية والشرقية، والاستشراق، والفلسفة العامة، وعلم النفس، وفلسفة العلوم، وعلم الاجتماع، وعلم الجمال.
والقسم الرابع: العلوم السياسية والاقتصادية، ابتداء من النظريات العامة ثم مصر والوطن العربي والعالم الثالث؛ أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، والولايات المتحدة الأمريكية. ثم علم التاريخ والجغرافيا، ثم خطب القادة العرب، ثم قسم عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
والقسم الخامس: النقد الأدبي، الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح.
والسادس: المجلات العلمية بالعربية والإنجليزية.
أما القسم السابع والأخير: فيتكون من نسخ من مؤلفاتي العربية والإنجليزية والفرنسية، والدراسات التي صدرت عليها، والرسائل العلمية التي أشرفت عليها.
وبعد عام من عودتي من فرنسا وقعت هزيمة 1967م وهو ما كنا حذرنا عبد الناصر منه قبل عام في مؤتمر المبعوثين الأول بالإسكندرية.
وعدت من فرنسا وأنا مملوء بالحيوية الفكرية والنشاط العلمي والحماس للمستقبل والمساهمة في إعداد جيل جديد.
فلما وقعت الهزيمة وبشكل ساحق للجيش، خاصة الطيران وتدميره تقريبا بالكامل وهو على الأرض، قمنا بمظاهرات مارس 1968م لمحاكمة المسئولين عن الهزيمة، خاصة قادة الطيران الذين أغلقوا المدافع المضادة؛ لأن طائرة المشير كانت في الجو، وحاول بعض الصحفيين من كتاب السلطان تبرير مظاهرات مارس 1968م بأنها شبيهة بمظاهرات الطلاب في جميع أنحاء العالم التي كانت سائدة في نفس الوقت، ودون تحليل الظروف الخاصة لغضب الطلاب في مصر. وكتب أحمد بهاء الدين بيان 30 مارس الذي يعد بإصلاح الأمة وتحرير الأرض والتنمية وتذويب الفوارق بين الطبقات ورفع مستوى المعيشة وإطلاق الحريات، وتقريبا كل ما نادى به الطلبة في مؤتمر المبعوثين قبلها بعام واحد في الإسكندرية، وطالبوا عبد الناصر بتحقيقه وإلا كانت الهزيمة في أي صدام مع إسرائيل، وهو ما حدث بالفعل. وبينما كان عبد الناصر يقود معركة التحرير، بدأ بحرب الاستنزاف 1968-1969م والتي أرهقت إسرائيل، وعرفت أن الجيش المصري ما زال قادرا على المواجهة، ثم انتقل عبد الناصر إلى الرفيق الأعلى عام 1970م. وخلفه نائبه، واضطر تحت ضغط اعتصام الطلاب في ميدان التحرير وفي جامعة القاهرة عام 1972م؛ اضطر إلى دخول الحرب بكفاءة القادة المصريين، وعبور قناة السويس، وتدمير خط بارليف، والاستيلاء على الضفة الشرقية للقناة وحتى وإن لم نصل إلى المضايق.