وما إن بدأ أول طالب بقراءة خطاب الترحيب حتى وقفت وأخذت منه مكبر الصوت قائلا: «أيها المشير كل هذه اللافتات التي تراها نفاق في نفاق، كتبها السفير، وعلقها، كلها وكل الخطب التي ستسمعها راجعها السفير بنفسه، أريدك أن تسمع ما يقوله الطلاب.» فأنزلت اللافتات، وبدأت أقول: «الطلبة يتساءلون عن الحريات في مصر، وعن الطبقة الجديدة التي نشأت في مجتمع اشتراكي من مديري البنوك، ورجال الأعمال، وضباط الجيش، والمحافظين. وخلقت طبقة بين الحاكم والمحكوم. وقد وعد الرئيس جمال عبد الناصر بألا يزيد الفرق بين الطبقات الاجتماعية أكثر من واحد إلى عشرة. والآن الفرق واحد إلى مائة.»
فقام الطلاب ورائي كل منهم يعبر عن مأساة النظام معه، منهم من قطعت منحته؛ لأنه إخواني أو ماركسي، ومنهم من لم يجدد جواز سفره؛ لأنه متهم من أجهزة الأمن، ومنهم من وضع في قوائم الممنوعين من السفر. وبعد حوالي نصف ساعة من انتقادي للنظام السياسي لم يعرف المشير ماذا يقول؛ فطلب من لطفي الخولي أن يرد. فقال: «إن الطلبة هنا في باريس مستريحون، يدرسون، ويطعمون بكل حرية، أما في مصر فهناك المعذبون والمعتقلون ومن ضحوا بأنفسهم من أجل النظام.» ومحمود فوزي يبتسم مسرورا من كلام الطلاب، وحزينا مما سمعه من دفاع عن النظام من أحد الماركسيين المصريين والذي أصبح عمدة للنظام.
وبعد أن انتهت المقابلة استدعاني السفير إلى مكتبه قائلا: «ماذا فعلت؟» قلت:«فعلت ما يمليه علي ضميري ضد النفاق.» قال: «ألا تخاف؟» قلت: «لا، ومم أخاف وقد عبرت عما في قلوب الجميع.» ومنذ ذلك الوقت كون الطلاب في باريس جماعة لدراسة الأحوال في مصر، وأقاموا ندوات أسبوعية تناقش هذه الأحوال؛ فأقيمت ندوات عن الطبقة الجديدة، التي أصبحت مفهوما شائعا، والفقر في مصر، ونقص الحريات في مصر. ولما عاد المشير أخبر عبد الناصر بما سمعه من الطلاب في باريس؛ فطلب عبد الناصر استدعاء ممثلي الطلاب في أوروبا كي يأتوه إلى مصر ومناقشتهم. وكان هذا بعام 1966م. فأعددنا في باريس ملفات عن الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية في مصر، وأقام الطلبة انتخابات في جامعاتهم كي يختاروا من يأتي إلى باريس ومنها إلى القاهرة لمناقشة الرئيس. وكنت رئيسا للوفد المصري، وحضرنا إلى القاهرة في أغسطس سنة 1966م. والتقينا في مدرج كبير بجامعة الإسكندرية، وكنا نغني في الطائرة «لكي يا مصر السلامة»، و«اسلمي يا مصر». ناقشنا عبد الناصر يوميا لمدة أسبوع تقريبا، وكانت مهمتي أن أكتب ورقتين؛ واحدة في الحريات العامة، والثانية في استقلال الجامعات.
قدمنا الملف إلى عبد الناصر، وناقشناه علنا، وطلبنا الحريات لشعب مصر واستقلال الجامعات، وقام واحد بالتحدث عن الأحوال السياسية في مصر، وقام آخر بالتحدث عن الأحوال الاقتصادية، وثالث ورابع وخامس عن الأحوال الاجتماعية والثقافية. وحذرنا عبد الناصر من حالة وقوع معركة بين مصر وإسرائيل، فالخوف والخطر على مصر. وسألناه لماذا تم إعدام سيد قطب؟ وهو الأديب، الناقد، المفكر؟ فرد عبد الناصر على أسئلتنا ومنها: «إن مهمته توفير الخبز للشعب.» فرد عليه يوسف إدريس في اليوم التالي على صفحات «الأهرام» قائلا: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.»
وأخبرنا عبد الناصر بأنه قرأ ملفاتنا بجدية واهتمام، ودعانا إلى قصر الطاهرة لأخذ الصور التذكارية معه.
وعاد ممثلو الطلاب إلى باريس باستثنائي أنا؛ فقد كنت ناقشت رسالتي الدكتوراه قبل ذلك بشهرين.
وعدت بحقيبة ملابسي، وتركت مكتبتي في الغرفة، وسلمت مفتاحها إلى السفارة، وحادثت وزير التعليم العالي في الإسكندرية ذلك الوقت قائلا له: «تركت مكتبتي في باريس، فكيف أنقلها إلى مصر؟» فقال لي: «اطلب ذلك من عبد الناصر.» ففعلت مثلما قيل لي. فوافق عبد الناصر على نقلها من باريس إلى القاهرة على نفقة الدولة، وأرسل ما يفيد إلى السفارة بذلك؛ فكلف السفير شركة شحن لنقل مكتبتي، ووضعت الكتب في ثلاثة صناديق خشبية استلمتها في ميناء الإسكندرية، وبعد أن فتح موظف الجمارك صندوقا واحدا ووجد كتبا أغلق الصندوق ولم يطلب عليه جمركا؛ على الكتب بدعوى أنها لا تستحق الجمارك عليها.