تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحلت الجماعة كما حلت باقي الأحزاب في مصر من قبل، ولم تبق إلا هيئة التحرير، حزب الثورة، ولم تجد قادة ولا جماهير لها، بل كانت مجرد اسم يملأ به فراغ الأحزاب والجماعات.

كان نجيب محبوبا في القلوب لدفاعه عن الديمقراطية، وكان عبد الناصر مكروها لطغيانه واستبداده، حتى أتى تأميم قناة السويس في يوليو 1956م فتحول إلى بطل قومي، ونسي الناس نجيب وهو في الإقامة الجبرية.

وبدأ العدوان الثلاثي على مصر في أغسطس 1956م. وكنت قد غادرت إلى فرنسا في نفس الشهر، وكنت أبكي وأنا أزور متحف اللوفر وبه قسم كبير عن مصر الفرعونية. واجتمع الطلاب في السفارة المصرية مطالبين بالعودة إلى مصر للدفاع عنها، فأخبرهم السفير أن في مصر رجالا يستطيعون الدفاع عنها، أما الطلاب فمهمتهم استكمال دراستهم ليخدموا مصر بعد عودتهم.

وأثناء دخولي لأحد المطاعم الجامعية في فرنسا، سمعت شابا يتكلم العربية بلهجة غير مصرية، ففرحت بلقاء عربي، وسألته من أين هو؟ قال: «من السعودية.» ولما كنت في ذلك الوقت ناصريا إلى أقصى درجة ومؤيدا لعبد الناصر في قرار إرسال الجيش للدفاع عن الثورة في اليمن ضد الإمام الذي كانت تساعده السعودية خشية من انتشار الثورة والوصول للسعودية، قلت للشاب السعودي: «إن شاء الله تقوم الثورة في السعودية وتلحق بالثورة العربية.» لم يعجبه الكلام ونظر غاضبا وقال : «ولماذا؟» ثم انبرى بالدفاع عن النظام الملكي في السعودية. فعرفت أن الناس على أديان ملوكهم، وأن خطئي هو التصور أن العرب كلهم ثوريون، وأن الجمهورية هو النظام القادم الأفضل. ولم أكن أعلم أن الخيال شيء، وأن الواقع شيء آخر.

هنا تحول الدين عندي إلى سياسة، وتحولت عواطفي من الانتساب إلى الجماعة إلى الانتساب لمجموعة الضباط الأحرار، فقد كان الوطن عندي أغلى من الدين، ومصر الوطنية عندي أعز من الوحدة الإسلامية العامة. ومع ذلك كان صوت عبد الباسط عبد الصمد يرن في أذني جامعا بين الدين والموسيقى، وكنت أذهب إلى صديق سوري يعيش في شمال باريس لأسمع قراءة عبد الباسط عبد الصمد عنده، والذي سماه ملك المغرب «قيثارة السماء». كنت أذهب إليه كل سبت في السادسة مساء، وكنت أيضا أذهب إلى مسجد باريس كل ظهر جمعة لأداء صلاة الجماعة. ورأيت بداية الخلاف بين مجموعة البشير الإبراهيمي ومجموعة هيئة التحرير برئاسة فرحات عباس.

كانت عندي سجادة صلاة أحضرتها معي من مصر، أفترشها وأصلي بين الحين والآخر، وكنت أذهب إلى المطعم الجامعي الخاص بالطلبة المسلمين في شارع سان ميشيل كل جمعة بعد الصلاة لأكل «الكسكسي» بالخضار واللحم، كان الطلبة المسلمون يقودون تقريبا كل يوم المظاهرات ضد العدوان الفرنسي على الجزائر، ويطالبون باستقلالها، وكانوا يقومون مع باقي الطلبة بمظاهرات ضد الغزو الأمريكي على فيتنام.

في عام 1965م قامت مظاهرات ضد انقلاب بومدين في الجزائر ضد ابن بيللا الزعيم الوطني ورمز الحرية والاستقلال.

وفي مظاهرات الحي اللاتيني تعرفت على «علي شريعتي» المفكر الثوري الإيراني الذي كان يدرس «دكتوراه الجامعة» وليس «دكتوراه الدولة». الأولى معترف بها من الجامعة فقط دون الدولة، وهي أشبه بالماجستير، ومخصصة للطلبة الإيرانيين، والثانية معترف بها من الجامعة والدولة، ومخصصة لباقي الطلاب؛ ومنهم الطلبة المصريون. وكانت تتطلب إجراء رسالتين: رسالة رئيسية، ورسالة أخرى تكميلية. تناقشان معا في نفس اليوم، وبينهما استراحة قصيرة. ولجنة المناقشة مكونة من خمسة أساتذة.

وبدأ الدين يتوارى أكثر من أجل السياسة حتى رفعت السجادة من على الأرض وعلقتها على الحائط وكأنها عمل فني.

وبعد أن أعيدت العلاقات السياسية بين مصر وفرنسا بعد انقطاعها بسبب العدوان الفرنسي على مصر بعد تأميم قناة السويس، جاء المشير عامر إلى باريس لمقابلة ديجول، وتهيئة جو الصداقة بين مصر وفرنسا، والحديث عن استقلال الجزائر والقضية الفلسطينية. دعاه السفير إلى السفارة المصرية ليرحب به الطلبة المصريون، ووضعت لافتات الترحيب على الحوائط بالألوان، واختار السفير بعض الطلبة لإلقاء خطب ترحيبية بالمشير، صححها بنفسه خشية أن يكون بها شيء معارض للنظام السياسي. دخلت السفارة، ووجدت اللافتات في أزهى الألوان، وصعدت الطابق الثاني مكان اللقاء، وكان المشير يجلس بجواره وزير الخارجية المصرية محمود فوزي والصحفي لطفي الخولي رئيس تحرير «مجلة الطليعة».

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٣٧