قضينا أول ليلة وصلنا فيها إلى بنها، والثانية في طنطا، والثالثة في كفر الزيات، والرابعة كنا قد وصلنا الإسكندرية، كنا نضع حقيبة ملابسنا فوق ظهورنا كما يفعل الرحالة، وفي كل مدينة كنا نصل إليها كنا نجد مبنى هيئة التحرير مغلقا، ولم يكن هناك ما يدل عليه سواء يافطة معلقة فوق أحد البنايات أو على بابها، ووجدنا نفس الشيء في طنطا، مجرد يافطات معلقة بطابق أول من مبنى مغلق النوافذ، ولا أحد هناك، فزاد استعجابنا، ولما وصلنا إلى كفر الزيات كنا قد تعبنا، وسألنا عن هيئة التحرير فأرشدونا إلى صاحب مصنع زيت، فأخبرناه أننا من قادة هيئة التحرير ونريد زيارة مقر الهيئات لنطمئن على أنشطتها، فأسرع صاحب المصنع بالترحيب بنا، وطلب إحضار غداء لنا، وكانت أطباق مشويات من الكفتة والكباب حتى نكتب عنه تقريرا جيدا لمركز الهيئة بالقاهرة وبأن فرع مكتب الهيئة بكفر الزيات نشط وأن الأعضاء يذهبون ويأتون ويترددون عليه، وأنهم متأثرون بعمل الهيئة، وموالون للثورة. وأدركنا مدى الكذب والنفاق الذي تعيشه الهيئة ورؤساء فروعها، ووصلنا الإسكندرية. ووجدنا أن رئيس الفرع هو شوقي عبد الناصر شقيق الرئيس، وغضب منا؛ لأننا لم نخبره من قبل بزيارتنا حتى يستعد لها.
وقضينا الليلة في شرفة البورصة والتي علقت عليها لافتة بعنوان: «هيئة التحرير»، والتي تمت فيها فيما بعد محاولة لاغتيال عبد الناصر في عام 1954م. وعدنا بالقطار إلى القاهرة وقد عرفنا أن شيئا لم يحدث ولم يتغير، ولا وجود ولا عمل لهيئة التحرير، ولا تأثير للثورة وقوانينها على الريف المصري.
وفي حرم الجامعة كانت المظاهرات لجماعة الإخوان هي الأقوى تنادي برئاسة محمد نجيب للجمهورية، وكان محمد نجيب قد أتى، وألقى خطبة بالقاعة الكبرى بجامعة القاهرة، وبجواره ضابط واضعا ذراعه فوق الأخرى. كان صامتا لا يتكلم، خالعا القبعة العسكرية، وبعد أن تكلم نجيب عن الديمقراطية والثورة وأنه لا تعارض بينهما؛ فالديمقراطية بلا ثورة تشتت في وقت تحتاج الأمة فيه إلى حسم، والثورة بلا ديمقراطية طغيان واستبداد.
وكان قد أعلن أن الثورة المصرية ما هي إلا البداية لتكوين ثورات بالأمة الإسلامية جميعها، والتي يجب أن تتوحد في جامعة إسلامية واحدة. فضجت القاعة بتصفيق حاد، والضابط بجواره صامت ولا يتكلم.
وكانت الجماعة تسيطر على الحرم الجامعي، ولأول مرة أسمع قادتها يخطبون، مثل حسن دوح، وكنا نجلس في حلقات طلابية في وسط حرم الجامعة للاستذكار، ويمر علينا قادة الجماعة، ويلقون السلام.
وفي يوم ما جاء نواب صفوي من إيران بعد ثورة «مصدق». ودخل بعربته إلى حرم الجامعة، فتابعه الحرس الجامعي، وقلب عربته، فاشتعلت بالنيران، فقد بدأت الجماعة تأخذ موقف المعارضة من الثورة، وقد دخل نواب صفوي إلى حرم الجامعة دعما للجماعة.
وظل الخلاف بين الثورة والجماعة على مستوى القيادة، وعندما طلب المرشد العام للجماعة ألا يصدر أي قرار من الثورة بدون موافقة الجماعة عليه أولا، رفض عبد الناصر وكان من مجموعة الضباط الأحرار.
وازداد التوتر بين مجلس قيادة الثورة والجماعة حين أزيح الضباط الإخوان من تنظيم الضباط الأحرار، ثم أزيح نجيب من رئاسة الجمهورية.
وتفجر الخلاف حين عقد عبد الناصر معاهدة الجلاء مع بريطانيا في مارس 1954م والتي كانت تنص على انسحاب القوات البريطانية من قناة السويس والتل الكبير، وتعود إلى مصر في حالة «الضرورة القصوى». وهي عبارة في الفكر السياسي تعني عودة الاحتلال.
قامت المظاهرات من الجامعة بسبب ذلك تنادي بسقوط المعاهدة، ووزعت الجماعة نقدا مكتوبا لبنود المعاهدة.
وشاركت في هذه المظاهرة، ليس حبا في الجماعة، ولكن خوفا من عودة الاحتلال.
وأطلقت النيران على المظاهرة، وكنا فوق كوبري الجامعة، فقتل طالبان على الفور، كان عبد الناصر وزيرا للداخلية، وهو الذي أمر بإطلاق النار؛ فتفرقت المظاهرة، ثم تجمعت في ميدان عابدين مرة أخرى، ورفع عبد القادر عودة قميصي الطالبين المخضبين بالدماء قائلا: «انظروا ماذا فعلوا؟» جرى باقي الطلاب إلى ميدان التحرير، حيث مركز الحركة الوطنية؛ فاختبأ بعضهم بفندق سميراميس المجاور للميدان، وكنت أنا منهم، وظل الجو متوترا بين الجماعة وعبد الناصر حتى يوليو 1954م. وأثناء إلقاء عبد الناصر خطبته من شرفة مبنى بورصة الإسكندرية في ميناء المنشية انطلقت عليه رصاصات من الجمهور في محاولة لاغتياله، لم تصبه، وأكمل عبد الناصر خطبته قائلا: «فليقتلوني ولكني لن أتخلى عن الثورة.» وقبض على الشاب الذي أطلق الرصاص، وكان من الإخوان من شعبة إمبابة، كما قبض على زملائه الخمسة، الذين دبروا هذه المحاولة، فقدموا للمحاكمة، وأعدموا، كما أعدم عبد القادر عودة. لم يصدر مكتب الإرشاد قرارا بالاغتيال، ولكن الفكرة كانت تدور في الأذهان؛ فأخذت شعبة إمبابة القرار والقيام بالتنفيذ دون أن يصدر لها الأمر بذلك.