1
كنا نخرج من الفصول إلى فناء المدرسة، ونحن نهتف بهذه الشعارات، ثم نخرج إذا ما سمعنا أصوات تلاميذ مدرسة فاروق وفؤاد الأول اللتين كانتا تقعان في شارع الجيش (العباسية سابقا).
كانت الفكرة الشائعة أن مدرسة فؤاد هي الأشجع، يخرج تلاميذها أولا. ويذهبون إلى مدرسة فاروق في الجانب الآخر من الشارع؛ فيخرج تلاميذها معهم، ثم يأتون إلى مدرسة خليل أغا الأقل شجاعة في المبادرة بالخروج.
وكنا نسير في الشارع فيخرج معنا تلاميذ مدرسة باب الشعرية، ونسير حتى العتبة، ونأخذ الترام بعد أن يغير اتجاهه بفضل تغيير «السنجة». والذهاب إلى الجامعة كي نشارك في المظاهرات التي تعم البلاد ونحن صغار.
كنا نركب الترام والبعض يقف على سطحه يحمل الأعلام، وهو يحركها يمينا ويسارا محييا الناس.
كان ذلك في الأربعينيات أيام الحركة الوطنية المصرية، و«لجنة الطلبة والعمال» عام 1946م. وفي يوم عند خروج طلبة الجامعة في مظاهرة ضد الاحتلال البريطاني، والهتاف من أجل الحرية والاستقلال، فتحت الشرطة كوبري عباس أثناء عبور الطلبة حتى لا يصلوا إلى الجانب الآخر ويزداد عدد المتظاهرين، فغرق البعض، وأصيب البعض الآخر، وقبض على فريق ثالث. وهو ما صورته «لطيفة الزيات» في روايتها «الباب المفتوح» التي تحولت إلى فيلم فيما بعد.
في عام 1951م وعندما كنت أبدأ بالقراءة للمودودي وجدته يتكلم بالطريقة التي أريدها وأنا ما زلت خاوي الوفاض، ورأيت علال الفاسي، وسمعت محاضراته باللهجة المغربية.
وبدأت أقرأ سيد قطب نفسه في «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، و«التصوير الفني في القرآن»، و«مشاهد القيامة في القرآن»، و«الصراع بين الرأسمالية والإسلام»، و«خصائص التصور الإسلامي ومقدماته»، و«المستقبل لهذا الدين». ولم يكن «معالم في الطريق» قد ظهر بعد. تأثرت بمواقفه الاشتراكية والأدبية، وبحثت عن باقي كتبه، فقرأت «النقد الأدبي، أصوله ومناهجه». ووجدت رسالة صغيرة له كتبت في الثلاثينيات بتقديم مهدي علام عميد آداب الإسكندرية، بعنوان «الإسلام حركة إبداعية في الخير والحياة» أثرت في هذه الرسالة كثيرا ومنها الفكر والإبداع الفني وأنا كنت أتجه نحو الفلسفة والموسيقى، وشعرت أن سيد قطب هو الأديب والمفكر الاشتراكي، وأن مكانه ليس في هذه الجماعة، بحثوا عن أمير جديد للجماعة فلم يجدوا أحدا حتى عثروا على سيد قطب أخيرا عام 1951م. وكانت كتاباته الإسلامية والأدبية معروفة، فقبل أعضاء الجماعة على مضض، وعندما قامت الثورة المصرية في 1952م كانوا يبحثون أيضا عن أمين للدعوة والفكر في هيئة التحرير، واقترح جمال عبد الناصر اسم سيد قطب لكتابه عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، فرفض لأنه كان قد قبل منصب أمير الدعوة والفكر بالجماعة.
وفي صيف 1952م قامت الثورة المصرية، وفي نفس الوقت أو قبلها بقليل انضممت إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكنت أزورهم في شعبة باب الشعرية، وكنت أذهب إلى ميدان الحلمية حيث المركز الرئيسي للجماعة، وأسمع المحاضرات، وأشتري الكتيبات، وهناك قابلت سيد قطب لأول مرة، وأخبرته أنني أريد القيام بتأليف منهاج إسلامي عام يحقق للمسلمين نهضتهم، فسألني: «هل قرأت المودودي؟» قلت: «لا.» قال: «اقرأ المودودي أولا.» وكانت كتيباته مترجمة في سوريا، ومعروضة للبيع بجوار المركز العام للإخوان المسلمين فاشتريتها وقرأتها بحماس.
وبعد أن قامت ثورة 23 يوليو 1952م وفرحنا بها، وبقانون الإصلاح الزراعي، أردنا زيارة الريف وأن نرى بأنفسنا فرح الفلاح بهذا القانون. قررت أنا وثلاثة من الأصدقاء أن نذهب في زيارة من القاهرة إلى الإسكندرية نمر بالريف سيرا على الأقدام، والحديث مع الفلاحين، والاطلاع على دور هيئة التحرير والذي كان أول تنظيم سياسي بعد قيام الثورة.