ومرة أخرى جاءتني دعوة من قسم الفلسفة في روما في يناير 1967م لحضور مؤتمر دولي عن فلسفة الدين بعنوان «البراءة والخطيئة». وكتبت بحثا بالفرنسية بعنوان «أسطورة الخطيئة وواقع البراءة». ولما كان السفر إلى الخارج يتطلب موافقة الأمن، رفض الأمن لأن اسمي مدرج على القائمة السوداء؛ فأرسلت برقية إلى عبد الناصر بذلك الرفض، فرد خلال أربع وعشرين ساعة بالموافقة على السفر، وكان قد بعث خطاب الموافقة بالدراجة البخارية.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أدرك خطورة أجهزة الأمن، وقد تم إبعاد رئيسها بعد هزيمة 1967م. بعد ذلك ألغي قرار «الورقة الصفراء» التي كانت ضرورية عند سفر أي أستاذ جامعي للخارج خشية أن يقول أي شيء ضد مصر؛ لأنها طلب غير دستوري.
الفصل السادس
| الدين والسياسة
ارتبط الدين بالسياسة في مصر منذ عصر النهضة والإصلاح الديني؛ فقد كتب الطهطاوي «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز» وهي سيرة للرسول، وفي نفس الوقت كتب «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» وهو كتاب عن النهضة في مصر، كما كتب محمد عبده «رسالة التوحيد» في الدين، و«الثورة العرابية» في السياسة. وكتب طه حسين في الدين كتاب «على هامش السيرة» و«الفتنة الكبرى (عثمان)» و«مرآة الإسلام» و«الفتنة الكبرى (علي وبنوه)». كما كتب في السياسة: «المعذبون في الأرض» و«مستقبل الثقافة في مصر». وكتب العقاد في الدين «العبقريات» و«سعد زغلول» في التراجم. كما كتب في السياسة كتاب عن المقارنة بين الإسلام والشيوعية؛ فالدين والسياسة توأمان أو وجهان لعملة واحدة.
وبدأ الرسول ينشر التوحيد وتغيير البنية الاجتماعية للمجتمع العربي. وانتهى بالقضاء على إمبراطوريتي الفرس والروم، وخلق إمبراطورية جديدة من الأندلس غربا حتى الصين شرقا.
وبداية علاقتي بالدين وأنا طفل، كنت أقف مع الأسرة في شرفة في آخر منزل درب البزازرة المطلة على شارع العباسية لرؤية «المحمل». وكان يوم المحمل عيدا وطنيا وعطلة سنوية. والمحمل كسوة الكعبة التي تصنع في مصر في منطقة الخيامية، وفي أجمل نقوش وألوان، وكانت تحمل فوق صندوق كبير على ظهر جمل، يتهادى بها من منطقة الخيامية حتى السويس، ثم تأخذه باخرة إلى جدة، ويأخذه جمل آخر من جدة إلى مكة لتغطى الكعبة بكسوة جديدة بدلا من القديمة، التي ترجع إلى مصر إلى حي الخيامية مرة أخرى، فتقص إلى قطع صغيرة تباع للمصريين لجلب البركة والتبرك بها. وكانت الهتافات عندما يمر الجمل: «اللهم صل على النبي». وكانت موسيقى الجيش تعزف أمامه طيلة الطريق من القاهرة وحتى ميناء السويس، وكانت الكسوة تصنع في مصر على نفقة الدولة المصرية وتنقل إلى مكة.
نشأت متدينا، أصلي مع الوالد في المساجد، خاصة في شهر رمضان. وذات يوم ونحن نصلي جنبا إلى جنب ونسجد، قام والدي بعد السجود واقفا، وأنا ظللت ساجدا؛ دفعني أبي بقدمه كي أقوم فلم أقم، ظن أنني قد أغمي علي، فسلم وخرج من الصلاة لكي يساعدني على الوقوف، وأنا لم أكن مريضا ولا بي أي عائق للقيام بعد السجود ولكنه كان لعب أطفال.
كنت أصوم رمضان مع باقي الأسرة، ولكن بين الحين والآخر وأثناء نهار رمضان عندما يشتد العطش كنت أشرب دون أن أقول، وفي المدرسة الثانوية كانت هناك أربعة تيارات أو أربع حركات سياسية للتلاميذ وهم في سن الصبا: الأول الوفد، ولكنا كنا نعتبره حزبا إقطاعيا بالرغم من وطينته. والثاني مصر الفتاة، وكان حزبا وطنيا ولكنه كان لا يتوانى عن استعمال العنف. والثالث الحزب الماركسي، الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني «حدتو». وكان أقل التيارات تعرضا للشبهات. وكان الرابع الإخوان المسلمون أكثر التيارات انتشارا وأقلهم نقدا.
وبالرغم من أننا كنا نخرج ونحن في المدارس الابتدائية لنشارك في مظاهرات الجامعة، لكننا لم نكن نعرف لماذا نشارك؟ كنا نعرف فقط أننا نتظاهر ضد الإنجليز، وأحيانا كنا نخرج بالقوة مع المدرسة، أساتذة ونظارا لكي نذهب إلى قصر عابدين في عيد ميلاد الملك ونغني له.