وكانت أصوات العمداء الموافقين أكثر من عشرين صوتا، وذهبت إلى رئاسة الجامعة لكي أعرف الخبر، فقال لي السكرتير وهو خارج من الاجتماع بأنه قد تمت الموافقة على الترقية والحمد لله؛ ففرحت، وعلمت أن الاضطهاد السياسي قصير الأمد، وأن الغيرة العلمية لا تؤدي إلى شيء، وأن التبعية للنظام السياسي عار على الجامعة؛ لأن استقلال الجامعة هو أحد مكوناتها وضمان حريتها.
وكان الاضطهاد الثالث في ترقيتي من أستاذ مساعد إلى أستاذ، والذي حكمت اللجنة به عن استحقاق وجدارة، ولكن مجلس القسم والكلية رفضا لأنني مشاغب سياسي ومعارض لكامب ديفيد ولاتفاقية السلام والتطبيع مع إسرائيل، وأشترك في مظاهرات مع الطلبة وأساتذة جامعيين معارضين من اليسار الوطني والجماعات الإسلامية.
أعادت اللجنة التقرير بالموافقة مرة ثانية إلى مجلس الكلية، وأخفى العميد التقرير عدة أشهر بدعوى أنه لم يستلمه أو ربما استلمه وضاع وسط أوراقه وملفات مكتبه، فذهبت إلى مكتب البريد وعرفت هناك أن العميد استلم التقرير بل ووقع عليه بالاستلام أيضا، فأخبرته بذلك، فقال: «إذن هو ضائع في مكتبي». وظل يبحث في الأظرف والملفات حتى وجده. ولم يكن هناك بعد ذلك حيلة لهم إلا بالموافقة ولكن يكفي التعطيل حتى يسبقني آخرون في الترقية فيصبحون رؤساء للقسم.
ولما كان توزيع الدروس على الفرق الأربعة بيد القسم وبموافقة مجلس الكلية فقد تدخلت أجهزة الأمن من جديد لإعطائي أقل عدد من المحاضرات؛ ساعتين أسبوعيا، في غير مواد فلسفية حتى لا أثير أذهان الطلاب وذلك مثل اللغة العربية. لم أوافق على ذلك وتوقفت عن الذهاب إلى الجامعة، وقررت استغلال الوقت في الكتابة والتأليف.
وكان الاضطهاد الرابع قبل حصولي على جائزة الدولة التقديرية، فلم يرشحني القسم إليها بل رشحني قسم الدراسات اليونانية واللاتينية، ونلتها بالرغم من عدم موافقة قسم الفلسفة والذي أنتمي إليه. في سنة أخرى رشح القسم أحد أعضائه فلم ينل إلا صوتا واحدا في مجلس الكلية، ورشح أستاذا آخر في سنة أخرى، لم ينل إلا صوتين، بينما نال ترشيحي أنا جميع أصوات مجلس الكلية؛ فحصلت على جائزة الدولة التقديرية، وتكرر نفس الشيء قبل حصولي على «جائزة النيل الكبرى» والتي حصل على مثلها «نجيب محفوظ». لم يرشحني القسم بل رشحتني الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، كما رشحني أتيليه الإسكندرية للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. ونلت الجائزة بفضل هيئتين من خارج القسم، وأعطيت جميع عمال الكلية لكل فرد منهم خمسين جنيها، وزعتهم سكرتيرة القسم عليهم.
وفي الأعوام السابقة عندما شعرت أن الكلية انخفض صوتها في الأبحاث العلمية المشتركة والندوات والمؤتمرات المختلفة وضعت وديعة بمبلغ مليون جنيه مني للكلية لاستخدام عائدها السنوي لإقامة مؤتمرات وأبحاث علمية للأقسام منفردة أو مجتمعة، ولمساعدة الطلاب في طبع رسائلهم، ولم يتقدم أحد حتى الآن باستثناء الجمعية الفلسفية المصرية بعد عناء ومفاوضات مع العميد على ضرورة دفع نفقات دار الضيافة والعلاقات العامة من هذا العائد.
وكان هناك اضطهاد ضدي خالص، برفض التعيين في الكلية خشية أن تمتد أفكاري عن الحرية للشعوب واستقلال الجامعة، وأنه ستحدث ثورات شعبية وحركات طلابية تنادي بهذين المطلبين، وكانا نفس المطلبين اللذين طالبت بهما عبد الناصر في مؤتمر المبعوثين بالإسكندرية في أغسطس 1966م. وضعتني أجهزة الأمن على القائمة السوداء بسببهما. كانت من ضرورات التعيين بالجامعة موافقة أجهزة الأمن التي لم توافق. وكان أخي مدرسا بقسم اللغة العربية وضابطا احتياطيا بالجيش يستدعى ساعة الضرورة. وكان ضابط الأمن المسئول عن الموافقة أو عدم الموافقة على تعيين المعيدين أو المدرسين القادمين من الخارج، فأقنعه أخي بأنني لست مشاغبا وأن مناقشتي لعبد الناصر كانت مفتوحة أمام الجميع، ورد عليها عبد الناصر وناقشتها الصحافة المصرية؛ فوضعي في القائمة السوداء خطأ أمني؛ فاقتنع ضابط الأمن ووافق على تعييني بكلية الآداب بجامعة القاهرة.