وفي محاكمتين قام المحامي بالنيابة عني في الوقوف مدافعا عن حقي في ساحة القضاء؛ الأولى عندما رأيت إعلانا في الأهرام في صفحة الإعلانات عن بيع قطعة أرض حوالي خمسمائة متر في مدينة نصر. فاتصلت بصاحبة الإعلان، واتضح أنها مفتشة في وزارة التربية والتعليم، وقد كانت قطعة الأرض ملكا للوزارة والتي كانت قد قسمتها على المفتشين، كان ثمن المتر حسب الإعلان مائة وثمانين جنيها، وبحضور محام عند توقيع عقد البيع وبعد اطلاعه على أوراق ملكية الأرض للمفتشة عرف أن ثمنها كان ستين جنيها للمتر أي إنها ستكسب ثلاثة أضعاف عند البيع لي، وقد كانت منطقة مدينة نصر في ذلك الوقت في تسعينيات القرن الماضي لا يسكنها أحد تقريبا، مجرد صحراء ورمال، وأثناء إعداد الأوراق لتوقيع العقد النهائي طمعت المفتشة، وأرادت البيع بحوالي ستمائة جنيه للمتر؛ أي ثلاثة أضعاف الثمن المعلن، وبالتالي تكسب تسعة أضعاف الثمن مرة واحدة، رفضت هذا الاستغلال. وكانت الأسعار ترتفع تدريجيا حتى وصل سعر المتر ثلاثة أضعاف السعر المعلن، وأثناء محاولات المحامي إقناع السيدة بأن هذا لا يجوز قانونا فالاتفاق بين البائع والمشتري طبقا لإعلان الصحيفة؛ فرفضت. واضطر المحامي أن يقيم عليها دعوى بما حدث، وحكم القاضي لصالحنا؛ فأخذت المفتشة المبلغ المتفق عليه أولا، ووضعت المبلغ في حجرها تحاول أن تعد الأوراق المالية رزمة رزمة؛ فقلت لها إن هذا سيستغرق طيلة اليوم؛ فقد كان المبلغ حوالي مائة ألف جنيه، وطلبت أن تعطيني رقم حسابها لكي يتم تحويل المبلغ من بنك إلى بنك، فرفضت. وكانت السعادة تبدو عليها وهي تعد رزم الأوراق المالية وبجوارها أختها التي فتحت هي الأخرى رزمة وبدأت تعد. ومع ذلك أقامت المفتشة دعوى ضدي بأنني لم أذهب إلى ميدان محطة مصر حيث يوجد عقار أدفع لها مبلغا آخر ثمن إشغال الرصيف بمخلفات البناء؛ فأقام عليها المحامي دعوى أخرى لعدم توقيع العقد النهائي؛ لأنني لم أدفع ثمن رفع مخلفات البناء، وكسبنا القضية بعد دفعنا المطلوب للحي؛ وبالتالي لم يعد أمامها حيلة إلا التوقيع النهائي على عقد البيع.
والقضية الثانية، كانت عندما تأخرت الموافقة على الرسم الهندسي الخاص بالبناء من مجلس الحي، وكان المقاول على علم بهذه القوانين وقال إن كل ما يتم بناؤه تحت مستوى الأرض لا يحتاج إلى ترخيص مثل الأساسات؛ فبدأ في بناء الأساسات والأعمدة القائمة عليها، ولما حضر مهندس الحي ومساعده للتأكد من أن الأساسات قد تم بناؤها تحت سطح الأرض ورأى الأعمدة وقد ارتفعت عن سطح الأرض فكتب في أوراقه عدم الموافقة؛ للحصول على رخصة البناء. وبينما كنت أشاهد مهندس الحي والتفتيش وكتابة الملاحظات، سألني مساعد المهندس عن دورة المياه، وكانت العمارة على الصف الآخر قد بنيت بالفعل، فأشرت عليه أن يدخل الحمام بمدخل العمارة، فدخل وخرج بسرعة وهو يغلق أزرار البنطلون ويشاور أن أتبعه، فلم أفهم ماذا يريد؟ فكرر الإشارة، ولم أفهم أيضا، وكرر الإشارة للمرة الثالثة كما فعل حسن يوسف لنادية لطفي حتى تتبعه لكي يتفق معها على زواجها من أخيه عبد الحليم حافظ في فيلم «الخطايا». فهمت ذلك فيما بعد، ويبدو أن الإشارة كانت تعني تعال إلى العمارة المقابلة لكي أقول لك ماذا يكلفك أن تعطيني ومهندس الحي حتى نوافق على إعطاء الرخصة؟ وفهمت أنه يعني الرشوة. وكنت في ذلك الوقت مثاليا حازما، وأخلاقيا ضد هذا الفساد، فرفضت؛ فأصدر قراره بعدم الموافقة، وأيده المهندس المساعد بحجة أني بدأت في البناء وإقامة الدور الأرضي دون انتظار الترخيص؛ فرفع المحامي الخاص بي دعوة قضائية ضد الحي بأنه يجوز رفع الأعمدة وبدء البناء ما دام لم تقم أرضية للدور الأرضي بعد، وكسبت القضية. وظلت مفتشة التربية والتعليم تبحث في كل الدفاتر والقوانين عن وسيلة لإيقاف البناء، خاصة بعد أن ارتفع ثمن المتر خمسين مرة في فترة قليلة وتصورت أنها تستطيع مضاعفة السعر مرات أخرى كي تصبح مليونيرة هي وأختها. ولما رأت أن البناء يرتفع طابقا فوق طابق وأن محاولاتها لإيقاف البناء مرتين لم تنجح استسلمت. وعلمنا بعدها أنها قد توفيت، والبناء ما زال يرتفع، فلا هي رضيت ولا أرضت الشاري. وكان بإمكانها أن تأخذ المبلغ المتفق عليه؛ فالعقد شريعة المتعاقدين، وتعيش سلطانة زمانها.