وبعد أن أتممت بناء المنزل والذي كان تصريحه بسبعة طوابق، بنيت منها خمسة فقط، طلب مني المقاول أن أبني طابقين آخرين ثم يشتري مني هذين الطابقين، وبالتالي يكون البناء قد تم دون تكاليف تذكر؛ فرفضت. وقلت إن المبنى كله لي ولأولادي، أنا أحتاج لطابقين؛ طابق كامل منهم لمكتبتي، وطابق لزوجتي التي كانت تريد أن تؤسس به مركزا للنقد السينمائي ومكانا للمكتبة السينمائية، ثم ثلاثة طوابق لأبنائي الثلاثة. فلا أحتاج أكثر من ذلك. فقال لي: «ولكن الهواء ملكك فلماذا ترفض الهواء؟ وسأتكلف أنا بناء الطابقين فلن يكلفك ذلك شيئا بل ستكسب من بيع هذين الطابقين لي.» فشرحت له أن القضية ليست مكسبا أو خسارة ولكنها قضية البحث عن الخصوصية والراحة لي ولزوجتي ولأولادي. ولما فشل في إقناعي تآمر مع شركة اتصالات لكي نبني برجا طويلا فوق سطح المنزل بإيجار قدره سبعين ألف جنيه شهريا في محاولة لإقناعي بالبيع. فتصورت أن منزلي تحول لشركة وأنني سوف أحرم من الجلوس في سطح المنزل والاستمتاع بالشمس الدافئة في الشتاء؛ لأنه سوف يكون تحت رحمة برج الاتصالات، وبأن المنزل سيصبح مليئا بالغرباء الصاعدين والنازلين من السطح والذين يعملون على هذا البرج؛ فشعرت بالقشعريرة، والمقاول اتهمني بالغباء، وأنا أتأمل في أنني حاولت البناء في هذه الحياة وسأترك كل شيء يوما ما، وتساءلت: «وكيف تم بناء هذه الأبراج العالية بجواري وفي الميدان والكل سعيد، السكان والمقاول والمهندس والدولة؟»
والآن أسمع عن قوانين تسجيل العقارات والضرائب العقارية الجديد وقد أخاطر بدفع الآلاف ثمنا لهدوء وخصوصية منزلي ولكي أتفرغ للتأليف، ومكان أوسع لمكتبتي التي بلغ حجمها «ستين ألف كتاب» أضعت بينهم وفيهم عمري وقد بلغت السابعة والثمانين عاما. والدولة تريد أن تأخذ كل ما في جيوب المواطنين، لا فرق بين غني وفقير، بين من يعيش على الوطن، ومن يعيش لأجله.
الفصل الخامس
| الاضطهاد العلمي
عرفت الاضطهاد العلمي من قراءة تاريخ الفكر الإنساني، فقد تم اضطهاد أفلاطون عند كتابة كتابه «الجمهورية». وتم اضطهاد إخناتون لقوله بالتوحيد. وما أكثر من اضطهد من رجال الفكر الإسلامي مثل ابن رشد، ومن الفقهاء ابن حنبل وابن تيمية، ومن الصوفية الحلاج والسهروردي إلى حد الإعدام! وقد استمر الاضطهاد في العصر الوسيط للمعارضين للعقائد الكنسية، والمفكرين الأحرار حتى الإصلاح الديني. واضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لمارتن لوثر، ولكل المحتجين ضدها «البروتستانت». واستمر الاضطهاد في القرن السابع عشر عند اسبينوزا الذي حاولت يد الإثم اغتياله، وكوبرنيكس الذي أثبت دوران الأرض حول الشمس وليس دوران الشمس حول الأرض بسجنه، وفي فكرنا الحديث أعدم عبد القادر عودة وسيد قطب، وتوفي شهدي عطية من التعذيب في السجن، كما أعدم خميس والبقلي في أول الثورة المصرية عام 1952م خوفا من ثورة العمال.
وكان أول اضطهاد لي وأنا طالب بالجامعة في قسم الفلسفة وبالسنة الرابعة، كنت أؤدي امتحانا آخر العام في ثلاث مواد، ترتيبي الأول في السنوات الثلاث الماضية. وكنت مرشحا لأكون معيدا، كنت معروفا بالحرية الفطرية، ومناقشاتي للأساتذة، وبالاعتراض على بعض آرائهم. ففي مادة علم النفس الصناعي، وكانت تقوم على اختيار أفضل العمال من حيث القدرات البدنية والعقلية، وهو ما تحتاجه الصناعة المدنية والعسكرية. ولم تكن الإلكترونيات قد ظهرت بعد، وكان المقرر كتابا باللغة الإنجليزية في علم النفس الصناعي، كنت لا أحتمل هذا العلم؛ لأنه مرتبط بالنظم الرأسمالية في المجتمعات الصناعية، يعتمد على قياس القدرات ونحن في مجتمع زراعي لا يفيد معه هذا العلم في كثير أو في قليل. وكنت أدعو إلى ممارسة علم شعوري كما فعل برجسون وهوسرل فيما بعد. كنت أهاجم علم النفس الصناعي، وأدافع عن أنواع أخرى من علم النفس وعلى رأسها وفي مقدمتها علوم النفس الشعورية ، الاجتماعية، والأدبية، والسياسية، والثقافية.