وفي بلجراد طلبوا مني أن أدفع ليلة الفندق بالدولار، وقلت لهم: «لماذا لا أدفع بالعملة المحلية؟» قالوا: «تلك هي القاعدة للأجانب.» قلت: «أنا مصري وهل أعتبر أجنبيا في يوغسلافيا؟ وماذا عن العالم الثالث وعالم عدم الانحياز وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية؟» فأصروا على الدفع بالدولار، وأصررت على الدفع بالعملة المحلية أو أن يأخذوني إلى قسم الشرطة، أو إلى محافظ المدينة، ولما رأوا جديتي وعدم تنازلي تركوني أدفع بالعملة المحلية؛ لأن المصري في يوغسلافيا ليس أجنبيا.
ثم وصلت أثينا، وفي أثينا وجدنا احمرارا في الأفق؛ فسألت: «ما هذا؟» فقالوا: «حرائق الغابات.» وبعد مدة قصيرة اندلعت النار، وانتشرت في الغابات ومخيمات السياح؛ فأعطونا جوازات السفر وقالوا: «اذهبوا إلى فندق آخر بعيدا عن النيران.» وذهبنا إلى فندق آخر. تكررت المأساة؛ يريدون أن أدفع بالدولار وأنا أرفض وأريد أن أدفع بالعملة المحلية لأنني مصري من أبناء العالم الثالث؛ فاستغرب موظف الاستقبال فأخبروه أنني لن أدفع إلا بالعملة المحلية؛ فأخذوها مني على مضض. وفي اليوم الثالث سرنا لاستكمال الرحلة إلى ميناء بيريه ومنها إلى الإسكندرية.
وهناك أخذت الباخرة تحمل سيارتي إلى الإسكندرية؛ فوجدت والدي وأخي بانتظاري، وأقمنا ليلة بالإسكندرية عند أقرباء لنا في حي المغاربة، وفي اليوم الثاني قمنا بفتح صناديق الكتب في الجمرك، فحزن موظف الجمارك لأن محتويات الصناديق مجرد كتب لا تساوي شيئا في نظره، قمنا بعد ذلك بالإفراج عن سيارتي من رصيف الميناء، وفوجئنا بسرقة المرآة الجانبية ومساحات الزجاج الأمامي؛ فاحتججنا أمام موظف الجمارك الذي قال: «احمدوا الله أن السيارة لم تسرق أصلا.» فدفعنا الجمرك، وحملنا صناديق الكتب في عربة النقل، ووصلنا القاهرة، استقبلنا أولادي بحب وشوق.
وكانت المحاكمة السادسة في مصر عندما فصل رئيس الدولة أكثر من سبعين أستاذا جامعيا، ومثلهم من الصحفيين ومن كبار الشخصيات؛ وذلك لمعارضتهم معاهدة كامب ديفيد واتفاقية السلام مع إسرائيل. بعدها قدمنا اتهاما للرئيس بأنه خرق حقوقنا الجامعية والإنسانية بقرار الفصل لأسباب سياسية، وأن نصيبي العمل في وزارة الشئون الاجتماعية. وكانت القضية جماعية رفعها جميع المفصولين في مجلس الدولة. وترافع عنا أحد أساتذة كلية الحقوق المفصولين، وسمعت القاضي يقول: «ما مطالبكم؟» ويجيب المحامي: «العودة إلى وظائفنا.» فأصدر القاضي حكما بالعودة إلى وظائفنا.
وكان قد تم اغتيال الرئيس بعد قرارات سبتمبر التي تم فيها الفصل بشهر واحد، وعندما علم خليفته أننا رفعنا قضية في مجلس الدولة أصدر قرارا قبلها بعودة نصف المفصولين فقط إلى وظائفهم (الذين تم إثبات وطنيتهم). ولم أكن واحدا منهم بالطبع، ورفض الجميع العودة إلى وظائفهم حتى يصدر حكم مجلس الدولة، وبالفعل صدر الحكم بعودتنا جميعا وبأن الرئيس المغتال قد خرق قانون الجامعة والدستور؛ ففي الجامعات مجالس تأديب ولجان محاكمات جامعية، تقوم بهذا الدور وليس السلطة السياسية؛ فعدت إلى الجامعة وردوا لي ما خصم من مرتبي وأنا موظف في الوزارة. جلست بعدها في المنزل سنة منذ الفصل من الجامعة وحتى الرجوع إليها، أكتب كتابي «مقدمة في علم الاستغراب».
لم تتم محاكمتي كعضو في جماعة الإخوان المسلمين أو في الحزب الشيوعي المصري أو في الجماعات الإسلامية المتشددة، بل كمفكر له مؤلفات معروفة ومشهورة ومؤثرة في الثقافة المصرية والعربية والإسلامية. وهذا يدل على قصر نظر السلطات التنفيذية باتهام كل من خالفها بتهم سياسية لا أساس لها من الصحة؛ فالمعارضة السياسية جزء من النظام. في المعارضة اليوم وفي السلطة غدا، والسلطة قد تبقى اليوم وفي المعارضة غدا. كما هو الحال في جميع الدول الديمقراطية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، والمحافظين والعمال في بريطانيا.