تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان وقوفي أمام المحكمة مرة ثانية في باريس عندما أخذ صاحب المنزل حاجياتي من غرفتي التي كنت أجرتها منه فوق السطح. فتح الباب عنوة وأخذ الحاجيات، وحجز لي ليلة في غرفة بفندق، وكان ذلك بسبب طرد أخيه الموظف بشركة قناة السويس من مصر بعد تأميم الشركة. ولما ذهبت إلى الجامعة في مركز الخدمات الطلابية لأخبرهم بذلك، نصحوني بأن أقاضيه في قصر العدالة بالحي؛ فذهبت إلى هناك، ودفعت رسوم القضية وكانت أربعة فرنكات؛ كل ما أملكه حينها. فاستدعته المحكمة، ووقفت أمام القاضي أشرح له ما حدث، أما صاحب المنزل فكان خجولا، ولم يقل شيئا؛ لأنه يعلم أن ما فعله ضد القانون. وأعطاني القاضي ورقة زرقاء بها الحكم لكي أقاضي صاحب المنزل بالمحكمة العليا، ويبدو أن هذا الحكم كان ابتدائيا يتبعه آخر نهائي، وكان الحكم أن أعود إلى غرفتي فوق السطح ما دمت أدفع الإيجار بانتظام. وأخذني صاحب المنزل جانبا وقال: «سنرفع الأمر إلى المحكمة النهائية، وتأخذ حقك، وتعود إلى غرفة السطح لا شك في ذلك.» والأمر يتطلب محاميين يدافعان أمام القضاء، ويتطلب رسوما أخرى للقضية. ففكرت من أين آتي بالمال اللازم، ومصاريف القضية، وأجر المحامي المرتفع؟ وكنت قد حصلت على غرفة أخرى عن طريق مركز الخدمات الطلابية بالجامعة. كما شعرت بأن صاحب المنزل ربما يكون قد ارتكب خطأ قانونيا في حقي، ولكنه معذور نفسيا لطرد أخيه من مصر بحقيبة ملابسه، ومعذور مصري يسكن في غرفة السطح التابعة لمنزله. فهو على حق من الناحية النفسية. أما أنا فكنت على حق من الناحية القانونية؛ لأنه داهم غرفتي في غيابي، وقدرت الحالة النفسية التي هو عليها، وتعاطفت معه إنسانيا وهو واقف مطأطئ الرأس معترفا بخطئه، هل أحمله خطأ فوق خطأ؟ الخطأ القانوني والخطأ النفسي؟ يكفيني نصرة الحكم الابتدائي لصالحي، واسترداد كرامتي. وكيف أشغل نفسي بالمرحلة الثانية من القضاء، حتى وإن كانت في صفي، وأنا ليس لي مال أدفعه للمحامي، وليس عندي وقت للانشغال بشيء خارج العلم، وهي الرسالة التي أتيت من أجلها؟ فسلمت على صاحب المنزل، وشرحت له أن تأميم القناة حق لمصر، وأن الملاحين الذين يرشدون البواخر خرجوا من تلقاء أنفسهم لتعطيل الملاحة، وإثبات أن مصر غير قادرة على إدارتها، وضرورة عودة هؤلاء الأجانب حينها، وأبلغته أن المرشدين المصريين واليونانيين قادرون على تنظيم الملاحة في القناة وإرشاد السفن ذهابا وإيابا، من بورسعيد إلى السويس، ومن السويس إلى بورسعيد، ورجوت له الخير والسلام.

والمحاكمة الثالثة كانت في محكمة باب الخلق عندما رفع وزير الأوقاف قضية بمصادرة كتابي الأول «التراث والتجديد»، ومجلة «اليسار الإسلامي». فاستدعاني القاضي في يوم معلوم. ودخلت المحكمة لأول مرة وهي أمام دار الكتب المصرية ومتحف الفن الإسلامي الذي كنت دائم التردد عليهما، والذي كان يجلس في المقهى المجاور لها شعراء مصر العظام مثل «حافظ إبراهيم». وقفت أمام القاضي وهو يسألني: «لماذا كتبت هذين الكتابين؟» فشرحت له أنني أريد إعادة بناء العلوم الإسلامية القديمة طبقا لظروف العصر الحديث ومطالبه. أما «مجلة اليسار الإسلامي» فتعبر عن نفس الهم ولكن على المستوى الشعبي؛ كيف يمكن تحقيق التقدم والحرية الفردية والجماعية، وتحرير الشعوب من نير الاستعمار والاستغلال، وتحقيق الوحدة الوطنية والقومية، وإنجاز مشاريع التنمية الاقتصادية، والاعتماد على الذات، وعلى قوة الجماهير؟ ثم سأل القاضي محامي الحكومة: «وأنت ماذا تريد؟» فلم يقل شيئا، فسأله القاضي مرة أخرى: «لماذا تريد مصادرة هذين الكتابين؟» قال: «إن الحكومة كلفتني بذلك.» فأصدر القاضي حكما ببراءتي، والإفراج عن الكتابين المصادرين؛ فشكرت القاضي، وخرجت وأنا مستريح الضمير. وأدركت أن كتابا صغيرا أو مجلة قادران على إقلاق الحكومة، والتي لديها كل أساليب ومقادير السلطة؛ من شرطة، وجيش، وأنا لا أملك شيئا. وقد طبعت المجلة على نفقتي الخاصة .

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٢٦