وفي يوم من الأيام تعرفت على أستاذة شابة بكلية الإعلام، كانت بيضاء البشرة، ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة. وكانت قصيرة الطول، دعوتها إلى زيارتي بمكتبي في كلية الآداب، أتت متأخرة عن الموعد، وهي تسير ببطء شديد، فلم أستطع الحديث معها.
وقابلتها مرة ثانية في الساحل الشمالي حيث كنا نصطاف في قرية «جامعة القاهرة» حول حمام السباحة، عرفتها، وعرفتني، وجلسنا، كنت مبتلا وتساقط الماء على هاتفي النقال؛ فأسرعت في نقل الأرقام. وكانت تدور في دائرة سريعة نظرا لتعطل الهاتف، وبعد أن غادرت ذهبت إلى متخصص لكي يحاول إصلاحه، قال إن هاتفي لم يعد صالحا للعمل بسبب المياه؛ فحزنت عليه أكثر من حزني على ضياع رقمها وبالتالي فراقها، كانت مجرد ريح خفيفة وليست ريحا عاتية، كان لقاء عابرا وليس علاقة دائمة.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية أثناء وجود زوجتي الحبيبة، حيث عادت مع طفلنا الأول لتوصله للقاهرة وتتركه هناك مع والدتها نظرا لأنها كانت تود دراسة الماجستير في الجامعة التي أعمل بها، وكنت في ذلك الوقت أقيم في الشقة بمفردي لمدة شهرين تقريبا، التقيت بأصدقائنا في الجامعة عدة مرات كي يخففوا من وحدتي، ودعتني إحدى السيدات الموظفات بالجامعة إلى منزلها في وسط المدينة كي أرى فيلاديلفيا من أعلى نقطة فيها. كانت سيدة كبيرة في السن، تكبرني بحوالي خمسة عشر عاما. وتقترب من سن المعاش، وكان معها صديقها الأمريكي الذي لا يبدو عليه أي علامات للثقافة والمعرفة. وبعد أن غادر دعتني إلى الجلوس بجوارها لكي نتمكن من النظر من النافذة معا، عرفت معها إحدى لحظات الحب غير العذري، ولكنني فضلت الحب العذري؛ لأنه أحر من الجمر، في حين أن الحب ما بعد العذري بالنسبة لي بارد ثقيل.
وفي المغرب بعد أن عادت زوجتي الحبيبة إلى مصر في زيارة لرؤية الأهل، كانت بعض المغربيات سهلة المنال، أراهن في المنازل إذ كن يعملن كخادمات، وإما في الطريق إذ يتهادين، أو حتى أستاذات شابات في الجامعة. يكفي أن تناديها فتستجيب وتأتي. وكان معي صديق مصري يعرف النساء هناك جيدا، كان متزوجا من مغربية. وكانت النساء المغربيات يمثلن روح التحرر، ربما من بقايا الأندلس، أو من آثار الاحتلال الفرنسي، أو من استقلالهن الفكري عن السلطات الدينية القوية مثل عندنا في مصر.
وفي اليابان كانت المرأة اليابانية تتشوق لمعرفة الأجنبي، ولكن لمرة واحدة، ولا تعرفه بعد ذلك، ولا تسمي هذا خيانة لزوجها. تعرفه في الحياة العامة، في القطار، أو في مكان العمل، أو في المحال العامة.
والمرأة اليابانية صغيرة الحجم، قصيرة - على عكس المرأة الغربية - تميل إلى الصمت، لا تحب الكلام والثرثرة، لا تعرف اللغات الأجنبية بدقة، وقد يكون لها سكن خاص، حتى لو كانت متزوجة، طيبة القلب منهن هي التي تستمر في علاقتها بالأجنبي لمدة طويلة؛ فيصبح جزءا من حياتها، تضحي من أجله بكل شيء، ولو أصابها منه مكروه تعاملت معه وحلته بمفردها. وهي كريمة، وفية، مخلصة، تدمع عيناها حين الفراق. تظل تراسله ربما حن إليها وعاد، وتستمر في المراسلة لعدة سنوات حتى تقل الرسائل، فتتحول الصداقة إلى ذكريات.
الفصل الرابع
| القضاء والمحاكمات
كانت أول محاكمة في الجامعة وأنا في السنة الرابعة، كنت أدرس اللغة الألمانية كلغة إضافية؛ لأنني كنت في قسم الامتياز. كنت أحضر دروس اللغة الألمانية في قسم التاريخ؛ لأنه لا يوجد قسم للغة الألمانية في الدراسات العليا في قسم الفلسفة.
وفى آخر العام وجدت ورقة الامتحان في اللغة الألمانية مع قسم الآثار فاعترضت. وقلت: «إنني أدرس اللغة الألمانية في قسم التاريخ!» وكانت نصوص الامتحان المطلوب ترجمتها غريبة تماما بألفاظها عما درست في قسم التاريخ. فقال لي المراقب يوم الامتحان وكان ضابطا من الحرس: «اكتب طلبا للعميد تشرح ما حدث فيه.» فبدأت بكتابة الطلب بجملة «أخي الفاضل عميد كلية الآداب ...» فانزعج ضابط الحرس وصرخ: «هل العميد أخوك الفاضل؟ ولماذا لا تكتب السيد العميد؟» فقلت: «لا سيد إلا الله.» وقال الرسول: «وأنا شهيد على أن العباد إخوة.» وكان الضابط قبطيا فانزعج أكثر وأكثر وقال: «أنت قليل الأدب!» فقمت محتجا وكان بيدي الريشة التي أكتب بها. ويبدو أنها احتكت بذراعه العاري حيث كنا في الصيف، فجرحت سن الريشة ذراعه، ولكن الحبر كان أكثر؛ فأخذني الضابط إلى العميد. ولما رأى العميد ذلك حولني إلى التحقيق، فشهد الضابط علي بالتهمة، وشهد رئيس قسم الدراسات اليونانية واللاتينية بأنني على حق في طلب تغيير ورقة الامتحان، بدليل أنه ساعدني في ترجمة النص الغريب لصعوبته. وحولني عميد الكلية للمحاكمة. فكونت الجامعة لجنة المحاكمة طبقا للقانون من خمسة أساتذة من كلية الحقوق الذين يعرفون القانون، وحددوا لي موعدا للجلوس في مجلس الجامعة للمحاكمة. وسألوني: هل قلت للعميد «الأخ الفاضل»؟ قلت: «نعم». وكررت حديث الرسول: «وأنا شهيد على أن العباد إخوة». فقالوا: «هل العميد أخوك؟» قلت: «نعم هو أخي، ولا فرق بين العميد والكناس إلا في أداء الواجب، فإن لم يؤد العميد واجبه وأدى الكناس واجبه، فالكناس أفضل.» فنظر الأساتذة بعضهم إلى بعض، وقالوا: «هل ستعيش طوال حياتك تنادي الناس بالإخوة بصرف النظر عن درجاتهم؟» قلت: «نعم، سأظل أفعل ذلك طيلة حياتي.» وعرفت بعد ذلك أن الرسول قد قال: «لا تسيدوني» أي لا تقولوا سيدنا محمد، ومن ثم فأنا لم أخطئ في رفضي وصف العميد ب «السيد». فأصدروا قرارا ببراءتي من تهمة قلة الأدب. وكانت هذه أول محاكمة لي في الجامعة، وكانت صدق العدالة. وكان بالإمكان حرماني من الحصول على ليسانس الآداب سنة أو سنتين.