تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زالت حيثيات الحكم عندي سأنشرها يوما؛ ليعرف الناس أن القضاء في مصر عادل وليس تابعا للحكومة بالضرورة.

والمحاكمة الرابعة كانت باليمن بعد أن انتشرت أفكاري وفلسفتي هناك، وحاضرت بجامعته، وتأثر بي الطلاب، وانقسموا بين يسار مجدد ويمين محافظ، دعاني أحد مشايخهم إلى منزله للحوار والنقاش فذهبت، ووجدت حلقة متسعة وفي وسطها «مداعة» وهي الشيشة عندنا، بها خرطوم طويل يلف حول الجالسين، يتبادلون الأدوار في شد الأنفاس منها، وأمام كل منهم قدر من القات يمضغونه. وسألني الشيخ الكبير: «سمعنا عنك في مصر والآن في اليمن، فماذا تقول؟» فشرحت لهم «التراث والتجديد» وكيف أنني أريد أن أعيد بناء العلوم القديمة، وأنقلها من عصر الانتصار إلى عصر الانكسار الذي نعيشه، فما المانع أن أربط الله بالأرض من أجل فلسطين؟ وفي القرآن

وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ،

رب السموات والأرض . فمن يأخذ أرضي كمن يأخذ نصف إلهي. وقد فعل اليهود ذلك من قبل عندما ربطوا بين الله والشعب والأرض والمدينة المقدسة وهيكل سليمان. فلا يستطيع اليهودي أن يعيش إلا في أرض الميعاد. وإن مات خارجها يضع حفنة من ترابها تحت رأسه حتى يشعر بأنه مات في فلسطين. وسموا ذلك «لاهوت الأرض». ويقولون عند المسلمين فالله في كل مكان وليس في فلسطين. ويستعملون آية

فأينما تولوا فثم وجه الله

فماذا أفعل باعتباري عالما إسلاميا يتقطع قلبه لاحتلال فلسطين؟ وماذا أفعل وقد امتلأت المعتقلات والسجون بالمعارضين السياسيين، وعانوا من كل أنواع التعذيب؟ ألا يجوز لي أن أستعمل الشهادة وهي أول ركن من أركان الإسلام «أشهد الا إله إلا الله»؟ وأشهد على ما يحدث في عصري من ألوان القهر والظلم والاستبداد؟ وأفسر «لا إله إلا الله» بأنها فعل من أفعال الشعور: الأول، فعل نفي للآلهة الكذبة في «لا إله»، والثاني فعل إثبات للإله الحق «إلا الله». فلو حذفنا أداة النفي وأداة الاستثناء لبقي «إله الله» وهو تحصيل حاصل لأنه تكرار لنفس اللفظ، وإن زادت أداة التعريف في إحداها.

ولماذا لا أستعمل الله لبعث المسلمين على التقدم طبقا لآية

لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ؟ ولماذا لا أستعمل القرآن لإثبات العدالة الاجتماعية بدلا من الفرق الشاسع بين الأغنياء والفقراء

والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم ،

ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ؟ ولماذا لا أربط الله بالناس وبالشعب وبالجمهور وهو

برب الناس * ملك الناس * إله الناس ؟ ولماذا لا أحول العلوم النقلية الخمسة: القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، إلى علوم نقلية عقلية؟ أحكم فيها العقل وهي العلوم المستبعدة من أقسام الفلسفة بالجامعات المصرية، والأكثر تأثيرا في المساجد والمعاهد والجامعات الدينية.

لماذا لا أبرز أسباب النزول بأنها لها أولوية الواقع على الفكر، والناسخ على المنسوخ، وأنهما يدلان على أولوية المتحول على الثابت؟ ولماذا لا أقوم بنقد المتن كما قام القدماء بنقد السند في علم الحديث؟ فقد يكون السند صحيحا والمتن غير صحيح، وقد يكون السند غير صحيح والمتن صحيحا. ولماذا لا يفسر القرآن تفسيرا موضوعيا يجمع كل الآيات حول موضوع واحد يهمنا مثل الظلم، والفساد، والفقر بدلا من الشرح الطولي، من الفاتحة حتى الناس؟

وكيف تتحول السيرة إلى تعظيم للرسول وطلب للقوت والمساعدة والشفاعة منه؟ كما هو الحال في الأدعية الصوفية «أغثنا يا رسول الله، أعنا يا رسول الله»؟ فالرسول صاحب رسالة للناس، وليس إلهيا بشخصه.

وكيف يظل الفقه في إطاره الاجتماعي القديم؛ يتناول قضايا الرق والسبايا والأنفال وهي غنائم الحرب، والحدود مثل: الصلب والرجم والجلد وقطع اليد وتعدد الزوجات؟

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٢٧