وأنا جالس بالقسم في مصر كان باب مكتبي مفتوحا، رأيت طالبة كانت شقراء تمر أمام باب غرفة مكتبي، ذهابا وإيابا. تنظر لي وتبتسم، دعوتها إلى مكتبي، عرفت منها أنها طالبة بالسنة الرابعة، وكان مكتبي نفسه هو الغرفة التي كنت أدرس فيها فلسفة التاريخ والفكر العربي المعاصر. فسألتها إن كانت تريد شيئا أشرحه لها. قالت: «لا.» فسألتها من جديد: «ألا يوجد شيء غامض من المادتين المقررتين أوضحه لك؟» قالت مرة أخرى: «لا.» وهي تضحك؛ فدعوت لها بالتوفيق والنجاح.
وكانت كلما رأتني أركب سيارتي مغادرا القسم، أسرعت فاتحة باب السيارة بجواري وتدخل وفي يدها قطعة شوكولاتة وزجاجة مياه غازية، فأشكرها. وأنا خارج من بوابة الجامعة وهي تركب بجواري في يوم، قلت لها : «أنا في طريقي إلى مدينة نصر.» فتقول هي ذاهبة إلى اتجاه آخر إلى شارع الملك فيصل بالهرم؛ فسألتها إن كانت تريدني أن أوصلها؟ رفضت بحجة أن المشوار طويل والمكان بعيد. وتكرر منها ذلك عدة مرات. وكنت قد اشتريت شقة بمنازل هيئة التدريس بجامعة القاهرة، تقع خلف الجامعة على مسافة قريبة منها، كي أستقبل فيها طلابي، فلم يكن بالقسم حجرات خاصة للأساتذة، وبالفعل استقبلت فيها الطلبة والطالبات، وكنا نترك باب الشقة مفتوحا حتى لا يظن أحد أن في الأمر شيئا.
ولما تخرجت الطالبة وأنهت السنة التمهيدية وهي ما زالت تلاحقني، دعوتها مع غيرها إلى مكتبي الجديد في شقة الجامعة، فرفضت ظانة بي ظن السوء، وبعد أن اتفقنا على موضوع وخطة رسالة الماجستير، وكان الكتاب المطلوب باللغة الفرنسية ومترجما إلى اللغة الإنجليزية. والترجمة ليست موجودة في مصر، وفي إحدى رحلاتي إلى الخارج اشتريت لها الترجمة الإنجليزية في ثلاثة أجزاء، وأعطيتهم لها هدية مقابل قطع الشوكولاتة وزجاجات المياه الغازية التي كانت تحضرها لي تقريبا كل يوم أحضر فيه للجامعة.
كما أحضرت لي حلويات شرقية إلى معرض الكتاب الدولي حيث كنت أشارك هناك بندوة، وكانت هيئتها تبدو على «سنجة عشرة» في لباسها وهيئتها، فنهرتها بأنه يكفي ما أحضرته من قبل.
كانت رسالتها مكتوبة باللغة العربية ومجرد شروح على النص الإنجليزي دون منهج أو موضوع أو تقسيم للرسالة، أو إشكال بها أو نتيجة، ويبدو أن أحد المعيدين أو الأساتذة الشبان قد قام بكتابتها لها مقابل مبلغ من المال، وربما مكاتب تصوير وترجمة المستندات المنتشرة بمنطقة «بين السرايات» خلف الجامعة هي التي أعدت هذا الشرح مقابل الكثير من المال.
وكنت قد لاحظت منذ البداية درجة التصاقها بي المستمرة؛ فأعطيتها صورا لي تحتوي على رحلاتي لإندونيسيا مع الطلاب، وكانت مكدسة بأدراج مكتبي بلا نظام، ابتعت «ألبومين» لجمع الصور لها وترتيبهما. أخذت الحقيبة التي وضعت بها الصور والألبومين، وبعد مدة سألتها وهي تغادر سيارتي: «هل انتهيت من ترتيب الصور؟» وبدلا من أن ترد نظرت إلي وسألتني: «متى تأتي لمقابلة والدي؟ وانتظرت شهرين.» لم أفهم السؤال حينها، ولذلك لم أجب عنه وغادرت إلى منزلي وأنا أفكر في سؤالها، وبعد عدة أيام فهمت ماذا تقصد، جاء أخوها لكي يتعرف علي بالجامعة، كان يضع في حقيبة سيارته كرتونة مملوءة بالمانجو لا أذكر عددها، كانت هدية لي لأنهم لديهم مزرعة مانجو، فترددت في قبولها، فأصر، فأخذت المانجو ونقلتها إلى سيارتي، وشكرتهما. وعرفت فيما بعد أنهما أعضاء في الاتحاد الاشتراكي في مناصب كبيرة.
بعد ذلك لم أبادر بشيء تجاهها، وبعد مدة كنت حريصا على استرداد صوري منها؛ فطلبت من زوجتي الاتصال بهم وطلب الصور، ردت والدتها بأنها ربما فقدتها فهي لا تجدها، ثم اتصلت مرة أخرى وقالت بأنها تحتفظ بها في أمان ولن ترجعها لي إلا بمقابل مادي نظير مصاريف ابنتها طالبة الدراسات العليا بالجامعة، كانت زوجتي على وشك إهانتها، ولكنها لم تفعل، وانتهى الأمر عند ذلك الحد والصور العزيزة علي ما زالت عندها، وما زلت أرجو أن تعيدها لي لأضمها إلى مكتبتي التي أنوي تحويلها إلى متحف باسمي.