تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طلبت أن تنتظر عندي حتى يأتي صديقها. ولكنه لم يأت، وطال الانتظار، واستلقت على السرير، وفي آخر عبارة سألتني: «هل أهون عليك أن أغادر الآن؟» فقلت: «لا بالطبع، أهلا وسهلا بك.» ثم غادرت في الصباح وهي مبتهجة وسعيدة «مبسوطة». وبقيت أنا أفكر في أمريكا اللاتينية، وقد كنت من أنصار العالم الثالث. ثم عدت إلى مصر، وعشت في البيئة التي تمنع حرية الفرد وصدقه مع نفسه ومجتمعه، وما زالت في ذهني ذكريات باريس. وتعرفت على طالبة ألمانية، كانت كبيرة الحجم، ريفية الطبع، تدرس الأدب الفرنسي. أتت إلى باريس في منحة لمدة سنة واحدة، كانت تعيش في منزل الطلبة الألماني والذي كنت قد غادرته، وكانت قادمة من مدينة تقع على الحدود الفرنسية الألمانية، تعيش بمفردها هي وأمها، وكانت تعود إلى ألمانيا مرة كل شهر أثناء دراستها بفرنسا؛ لتطمئن على أمها. وذات يوم دعتني لزيارة ألمانيا، لأتعرف على أمها، وجدتهما كما توقعت؛ فلاحتين ريفيتين طيبتين، يصعب على أي إنسان أن يتلاعب بهما أو يستغل علاقته بهما. وبسرعة اعتقدت أنني سوف أطور معها الحب إلى ما بعد العذري ثم إلى زواج دائم، ظنت أنني أفضل أن أعيش بألمانيا معها؛ فكتبت إليها أنني لا أستطيع أن أفارق مصر للأبد، وإذا كانت تريد الارتباط بي فعليها أن تأتي هي إلى مصر، وتعريفها بوالدي وإذا أعجبتهم فساعتها يمكن أن أرتبط بها. فردت على الرسالة غاضبة، وقالت: «أيها الساذج كيف تقول هذا؟» ولم أقل لها إنني قلت ذلك حتى أقضي على أي أمل لديها في الارتباط؛ بمعنى «أطفشها».

وتعرفت على صديقة شقيقتي الصغرى، وكانت تسعى للحصول على تأشيرة خروج، كانت تود العمل في الخارج، وأتعبها موظفو الأمن في المجمع، كل منهم له أسبابه الوظيفية والشخصية، وكان البعض يريد أن يصادقها، يدعوها للخروج معه، ثم يدعوها لمنزله. فكانت ترفض، وبالتالي كانوا يأجلون الموافقة على إصدار التأشيرة. وحاولت مرة أن أزورها في بيتها، قابلني البواب سائلا: «إلى أين يا أستاذ ؟» فأحرجت في الإجابة، ثم وجدتني أتأسف له بأنني أخطأت في عنوان المنزل ورقمه.

وكانت الجامعة في مصر هي المكان الطبيعي الذي يمكن أن أعثر فيه على شريكة للحياة وزوجة للمستقبل، فقد كنت قد بلغت أوائل الثلاثينيات وهو عمر طويل للباحثين عن الزواج. وقد كانت الأقرب لي معيدة في أي قسم من أقسام الكلية، تعرف واجبات العلم وانشغال العلماء. وكان قسم الصحافة ما زال قسما بكلية الآداب قبل أن تشيد كلية الإعلام فينتقل إليها. وكانت أول دفعة تخرجت منه ثلاث فتيات مؤهلات للدكتوراه ليكن نواة لأساتذة بالقسم دون الاستعانة بأساتذة من أقسام التاريخ واللغة العربية أو كليات الحقوق والعلوم السياسية. تخرجت ثلاث معيدات وشددن انتباهي؛ إحداهن بجمالها، وبالرغم من صغر وقلة حجمها، كانت تسبح ذات يوم في حمام سباحة نادي التوفيقية كالسمكة الفضية عندما تعكس الشمس أشعتها عليها، ولما رأت الإعجاب في عيني أخبرتني أنها متزوجة من ضابط وتفكر في الانفصال عنه، كان ما زال لي ترسبات وتراكمات شرقية، منها أن زوجة المستقبل لا بد أن تكون عذراء، فلم أستطع التقدم لهذه المعيدة التي تنوي طلب الطلاق من زوجها.

كان أحد المعيدين يحبها، وفي ليلة ليلاء سهرنا ثلاثتنا في منطقة الأزهر والحسين. اشترينا لها عروسة المولد النبوي، فضمتها على صدرها، وذهبنا بعدها إلى منزل المعيد، فرقصت لنا حتى الصباح. لم تستمر العلاقة بينهما طويلا؛ لأن المعيد هاجر إلى الخارج. وما زال مهاجرا لم يعد ولم يسمع أحد عنه خبرا، وربما غادر هذه الدنيا. وتركت أثرا رومانسيا في قلبي ما زال حتى الآن عندما تراني أو أراها، أو تتصل بي هاتفيا، أو أتصل أنا بها في إحدى المناسبات. تزوجت مرتين بعد ذلك، وهي الآن جدة لها أحفاد.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١١٨