وفي اليوم التالي كنت قد انتقلت بالفعل، فجاءت لزيارتي في المنزل الجديد، وأعجبت بلغتي الألمانية الواضحة السليمة. دعوتها إلى الغداء أكثر من مرة في مطعم الجامعة حتى اطمأنت لي تماما؛ فساعدتني في الانتقال من مرحلة الحب العذري إلى ما بعدها على مدى عدة سنوات؛ خمس سنوات أو أكثر.
ودعتني إلى زيارتها في منزلها في ألمانيا والتعرف على أسرتها والتي كانت مكونة من الأم والأخ. وكان أخوها صاحب مزرعة، كما كان يربي الخنازير التي تأكل «الردة» وهي قشور القمح المعجونة باللبن، وكان لون جلدها بين البياض والحمرة. فتعجبني وأتساءل: «ولم تحريمها؟» وسمعت «خنخنة» صوت الخنازير. وسألت في الصباح: «ما هذه الأصوات التي سمعتها ليلا وما سببها؟» فقيل: «إنهم اللصوص، يحاولون السرقة.» فقلت: «وأين الأخ للدفاع عن المزرعة؟» قيل: «إنهم قتلة، ولا يضيرهم قتل من يوقفهم، فمن الأفضل أن نتركهم يأخذوا خنزيرا أو اثنين على أن يقتلوا صاحب المزرعة.»
ثم جاءت يوما لتزورني في مصر بحجة الذهاب لزيارة الأقصر وأسوان. ودعوتها إلى الغداء في المنزل الذي أقطن فيه مع والدي ووالدتي وشقيقتي الصغرى والتي لم تكن تزوجت بعد. فلما وجدت الأسرة أنها «بنت حلال» سألتها والدتي: «لماذا لا تتزوجين ابني؟» فقالت: «اسألوه هو لماذا لا يتزوجني؟» فلم أجب؛ فلقد كان عندي مبدأ هو التعرف على أكبر قدر من الصديقات الأجنبيات ولكن الزواج من مصرية، فلو تزوج جميع الطلبة المبعوثين إلى الخارج من أجنبيات فلمن نترك بنات البلد المصريات؟ وقد يكون هناك استثناءات؛ فطه حسين تزوج من أجنبية تساعده على القراءة والكتابة.
وزارت صديقتي الألمانية الأقصر وأسوان، وصاحبتها إلى الإسكندرية. ورجعت إلى فرنسا وهي مبهورة بمصر وشعبها ورجالها، وظلت تراسلني كلما وجدت اسمي موجودا في الصحف الفرنسية لنشاطي الثقافي والسياسي في مصر، وكنت أرد على رسائلها باهتمام. وبعد عدة سنوات قد تزيد على العشر وأثناء زيارة لي لفرنسا، رأيتها وقد بدت عليها آثار الزمن، وظلت بلا صديق، بلا زواج، إخلاصا لصديقها المصري وإن لم يتزوجها؛ فدمعت عيناي.
ولما كانت غرفتي في بيت الطلبة الرياضيين مزدوجة؛ وضعت ستارة لتفصل بيني وبين زميلي المصري الذي يتقاسم معي الغرفة، وكان يذهب في نهاية كل أسبوع يزور صديقته الروسية، ويقضي العطلة معها. وفي يوم كان الوقت ليلا سمعت طرقا على الباب، فلما فتحت وجدت صديقته الفرنسية جاءت لتبحث عنه؛ فأخبرتها بغيابه. فطلبت أن تمضي الليلة معي في الغرفة مكانه حتى الصباح، وأزاحت الستارة التي تقسم الغرفة حتى أصبحنا في غرفة واحدة كبيرة. خلعت حذاءها، ثم استلقت على السرير، وأنا جالس على مكتبي أقرأ وأكتب. وبعد مدة سألتني: «متى تنتهي من المذاكرة؟» فأجبتها: «عندما أتعب.» فجاءت ناحيتي، وضمتني إلى صدرها. وقالت: «ألم تتعب بعد؟» فقلت: «أنت صديقة صديقي.» فأجابت: «كلاكما عندي سيان، من يدخل البهجة إلى حياتي يكون هو الصديق، الحاضر هو الصديق، والغائب لا صداقة ولا مكان له عندي.» فعشت لحظتها صراعا بين الوفاء لصديقي وبين الاستجابة لها، خاصة وأن صديقي كان عند صديقته الأخرى. فمكثت عندي حتى الصباح، وغادرت اليوم التالي وهي مبتهجة وسعيدة.
في يوم ما رأيت طالبة تقف عند باب منزل الطلبة الرياضيين، كانت سمراء البشرة، قصيرة الطول، وقليلة الحجم، ولكنها كانت ضاحكة، تتحرك يمينا ويسارا كانت تبحث عن شيء لا أراه. فسألتها: «عن أي شيء تبحثين؟» فقالت: «أبحث عن صديقي المغربي.» فقلت: «هل هناك موعد معه؟» قالت: «لا، ولكنه يسكن هنا.» فسألتها: «هل تعرفين اسمه؟» قالت: «لا.» فدعوتها إلى الصعود إلى غرفتي فهناك طلاب مغاربة كثر يقيمون في نفس الطابق؛ فصعدت، ودخلت معي الغرفة، وكان الطابق خاليا هادئا. وأعجبتني حيويتها وقلة حجمها، فسألتها : «من أين أنت؟» قالت: «من فنزويلا.» قلت: «نعم بلد النفط.»