وكانت هناك معيدة أخرى جميلة ولكنها منطوية على نفسها عكس المعيدة السابقة؛ فخشيت منها؛ فأنا لا أريد فقط ربة منزل، ولكني أريد رفيقة عمر وشريكة درب، وأنا منفتح على العالم، فلا بد أن تكون هي الأخرى منفتحة على العالم.
كانت رقيقة، منخفضة الصوت، وأنا أريد زوجة قادرة على الدخول في المناقشات والحوار الذي يحتاج إلى بعض الصلابة والقدرة على المحاورة والمواجهة. ومع ذلك ظلت تثير في العواطف الرومانسية الأولى.
وكانت هناك المعيدة الثالثة، ذات شعر أسود، وذات قامة تميل إلى الطول، وكانت ذات بشرة سمراء. لم تبتسم مطلقا، لم أرها تداعب أحدا، أو تمازح الآخر من الزملاء؛ فانقبض قلبي منها، وأنا الضحاك المهزار، المازح، المداعب، صاحب النكات. كانت تنظر إلى الأرض. وأنا الناظر إلى السماء.
تعرفت على عميد دار العلوم الذي يقع بحي المنيرة، وتقول الرواية إن له ابنتان؛ الأولى شقية، مرحة، حية، جذابة؛ والثانية أكثر هدوءا واستقرارا ورزانة. وكأنني بين عائشة وخديجة في رواية «بين القصرين» لنجيب محفوظ. لم أرهما، ولكن هكذا كانت تقول رواية أحد الأصدقاء بدار العلوم. وكيف أحب الغائب؟ وكيف يحب القلب ما لا يراه؟ تساءلت وفكرت مهما كانت مسافة القرب والبعد، ومهما قيل كما في الأغنية الشعبية: «القريب منك بعيد، والبعيد عنك قريب» لنجاة، تظل حرارة اللقاء غائبة.
وفي مرة أخرى كنت أصحب أستاذا في التصوف الإسلامي كما كان يفعل أحد الأساتذة من قبل، من بيته إلى الكلية، وكنت أقدر له أنه لم يعطني درجة سيئة في البحث المفروض على قسم الامتياز بالسنة الرابعة، والذي كان موضوعه «المعرفة والسعادة عند الغزالي» وكنت في ذلك الوقت ضد الغزالي؛ فالمعرفة عندي عقلية وليست تذوقية، والسعادة عندي في التمرد وليست في الرضا. ورفضت المقامات والأحوال عند الغزالي. فجاء الأستاذ بمقص وجعلني أقص هذه الخاتمة وأبقي على العرض فقط؛ فخرجت غاضبا، وأغلقت خلفي الباب بعنف.
وكانت له ابنة تقف بين غرفة الاستقبال وغرفة المعيشة، رأيتها عدة مرات، لم تكن جميلة ولا بيضاء، بل كانت قصيرة سمراء، فلم تدخل قلبي، ولا أثرت في وجداني، وفي أحد الأيام قابلتها في المجلس الأعلى للثقافة، ويبدو أنها كانت تعمل هناك، فسلمت علي وقالت: «ألا تذكرني؟» قلت: «لا.» قالت: «أنا ابنة الأستاذ الجامعي.» فرحبت بها، يبدو أن الذكريات لا تكون إلا نابعة من القلب.
وعندما كنت أذهب إلى العطوف لأنادي على صديقي وأصحبه إلى معهد شفيق الموسيقي لتعلم العزف على الكمان، كنت أنادي عليه باسمه من أسفل المبنى؛ فكانت شقيقته ترد علي من فوق.
وبعد عودتي من فرنسا اكتشفت أنها لم تتزوج بعد، وحينما كنت أزور صديقي أصعد إلى شقته، كانت تأتي للسلام علي، كانت قصيرة وممتلئة القوام، ولكن كانت بيضاء البشرة. لم يكن في ذهني الارتباط في هذا الوقت، ولكنني كنت مشغولا بالاستقرار في مصر وتعييني بالجامعة، وتوفير مبلغ من المال أستطيع به أن أكون لوازم الزواج.
ومرة أخرى ذهبت لزيارة صديقي الإخواني والمخلص للجماعة أيما إخلاص، كنت قد سمعت أنه قد تم إلقاء القبض عليه ثم الإفراج عنه. فذهبت لزيارته في منزله بالقرب من قصر عابدين، وكان دكانه أسفل المنزل، كنت أنادي على صديقي من تحت، كانت تنزل شقيقته، كانت جميلة بيضاء، وكأن جسمها قطع من البلور. كانت تصر أن أصعد، وتجذبني لأعلى مرحبة بي، كنت أقاوم وأضع يدي على سور السلم وأمسك به، فكانت تحزن لأنني لم أكن أود الصعود، كانت تريد أن تجلس معي وتعرفني على عائلتها، بالإضافة إلى الأب الذي كنت أراه يقوم بعمله في الدكان، كنت أود أن أستجيب ولكن ظل المعوق كما هو، لا مال ولا عمل ولا سكن لكي أفكر في الارتباط. كنت مهموما بالبحث عن عمل وانتظار قرار التعيين بالجامعة، وكنت مهموما بمحنة الوطن بعد هزيمة 1967م. أحمل هم الفكر والوطن من ناحية والحب والجمال من ناحية أخرى. وهي هموم أتمنى أن أشاركها مع زوجة المستقبل؛ نحمل العناء المشترك معا، فلم السرعة في الاختيار؟