ويوم السبت مساء يجلس طالب أو طالبة في مدخل المنزل على مكتب الاستقبال، يغلق باب المنزل بعد العاشرة مساء. فإذا أتى طالب أو طالبة متأخرا يدفع غرامة تبلغ قيمتها فرنكا واحدا نظير أن يفتح له الباب، وكان دخل من يفتح الباب حوالي خمسة فرنكات في الليلة.
وكان الطلبة والطالبات يحبون الجلوس على مكتب الاستقبال خاصة نهاية الأسبوع؛ لأن المتأخرين كثيرون، أما وسط الأسبوع فلا يأتي أحد متأخرا؛ نظرا لحضور المحاضرات في الصباح المبكر والعمل بجدية. وينال جائزته فقط في نهاية الأسبوع.
وكنت من الذين يجلسون في نهاية الأسبوع على مكتب الاستقبال؛ كي يزيد دخلي واعتدت شرب «البيرة» في هذه الحفلات الراقصة دون أن أدون ما أشرب في البطاقة لضعف دخلي الشهري.
وكنت أعزف الكمان في الدور الأرضي، وفي الغرفة المجاورة كانت طالبة ألمانية تعزف «الهارب» وهي آلة مصرية قديمة، فتوقفنا عن العزف في نفس اللحظة، وخرجنا من الباب في نفس اللحظة في الطرقة، وتقابلنا وقالت لي: «لقد مللت من العزف، أريد أن أفعل شيئا آخر.» فأخذت أشرح لها أن الإنسان لا يمل من الموسيقى، وأنها إن استراحت دقائق تنشط إلى العزف من جديد. قالت: «ولكني أريد العودة إلى غرفتي، تعال معي؛ لنتحدث عن الموسيقى.» قلت لها معتذرا: «لكني سأستمر في العزف.» غادرت وهي غاضبة، ثم أدركت في نفس الوقت أن إجابتي برغبتي في استمرار العزف لم تكن موفقة، وحاولت أن أقابلها من جديد لكي أعتذر لها ولكن اللحظة المناسبة لم تأت، ويبدو أن العلاقة إن فات موعدها لا تعود من جديد؛ فالموسيقى لحظة فن قصيرة، أما القراءة فزمانها طويل. وكانت العادة في البيوت الجامعية أن تقام انتخابات للأسر الطلابية لتنظيم النشاط الثقافي والفني في المنزل، وفي إحدى السنوات انتخبني الطلاب رئيسا لإحدى هذه الأسر الثقافية الفنية. وكان من بين الطلاب طالب ألماني يدرس التمثيل الصامت مع أشهر ممثل صامت في فرنسا في ذلك الوقت «جولدي بارو». طلبت منه أن يشارك معنا بأمسية ثقافية يقوم فيها باستعراض لقطات وعرض لفن التمثيل الصامت، فقام بعرض «السجين». وكانت تحكي قصة سجين معتقل يحاول التحدث مع حوائط السجن والتعرف على ثغراتها لعله يجد مخرجا، وكان يمثل أنه يسير على قدمين متعبتين، يتلمس الجدران المصمتة لعله يجد فرجة يخرج منها فارا إلى الحرية.
وذات يوم زار رئيس جمهورية ألمانيا فرنسا وقابل ديجول في مهمة رسمية، فدعاه الدكتور الألماني مدير المنزل لزيارة البيت الألماني ومقابلة الطلاب، ولما كنت رئيس الاتحاد كان من واجبي أن ألقي خطابا بالألمانية ترحيبا بالرئيس، فاستعجب كيف يكون طالبا غير ألماني يلقي خطاب ترحيب لرئيس ألماني نيابة عن الطلاب الألمان في بيت ألمانيا الجامعي، وتعجب من قدرتي وإجادتي للغة الألمانية، فشرح لي رئيس البيت أنها قواعد الديمقراطية، يتعلمها الطلاب، وهي المساواة بين الطلاب الأجانب والألمان، لا فرق بينهم في بيت الطلبة الألماني. وتساءلت متى يزور الرئيس المصري فرنسا؟ ويزور بيت الطلبة المصريين الذي عرف باسم منزل الطلبة الأرمن، ويحاول استعادته لمصر؟
وتعرفت على فتاة ألمانية، لم تكن طالبة ولكنها كانت تعمل بإحدى المستشفيات كممرضة، ودعاها صديقها الألماني إلى الحفل الراقص. ويبدو أنه لم يكن مهتما بها كثيرا. فجلست بجواري، وتحدثنا بالألمانية والتي كنت أجيدها تماما في ذلك الوقت، واتفقنا على أن نتقابل بعد نهاية الحفل، في اليوم التالي وكانت هذه الفترة هي التي انتقلت فيها من المدينة الجامعية في الحي الرابع عشر بعد انتهاء مدة الأربع سنوات القانونية، انتقلت إلى مسكن الطلبة الرياضيين في «بور رويال». وكان شرط بقائي الوحيد هناك أن أمارس السباحة، وكان حمام السباحة في الدور الرابع تحت الأرض.