تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين غادرت إلى فرنسا عام 1956م وهو عام التخرج بدأ الفقر يظهر بشدة، من أين لي بتذكرة الباخرة إلى فرنسا لاستكمال الدراسة؟ وكيف سأعيش هناك بدون منحة دراسية لا من مصر ولا من فرنسا؟ ومع ذلك أخذت الباخرة وكان ثمن البطاقة عشرة جنيهات فوق السطح ودون غرفة نوم، وكانت لي توصية أن أنام في غرفة الطعام بعد فرش ملاءة على إحدى أرائكها. وأخذت معي حقيبة بها عدد من الأرغفة الجافة وعلبة جبن أصفر كانت توزع مجانا من المعونة الأمريكية. وكانت الرحلة من ميناء الإسكندرية إلى مارسيليا تستغرق ستة أيام. وكانت الباخرة تتوقف ليلة واحدة في ميناء بيريه بجوار أثينا، وكان السؤال: وما العمل في كيفية الذهاب من مارسيليا إلى باريس؟

وعلى ظهر الباخرة تعرفت يوما على سيدة فرنسية، ولما رأت طيبة الوجه بادية على ملامحي، وسلامة القلب، وإخبارها بمشكلتي؛ تعاطفت معي وأقرضتني مائة فرنك لأشتري تذكرة القطار من مارسيليا إلى باريس على أن أردها إليها بعد الوصول، وأعطتني عنوانها في باريس، ولما وصلت إلى باريس وجدت رجلا طويل القامة حسن الهندام واقفا على المحطة وقال لي: «أتريد غرفة يا أستاذ؟» قلت له: نعم. فقال أنا عندي غرفة بشقتي، وصحبني إليها. كانت غرفة صغيرة بها مكتب وسرير وكنت لا أطلب أكثر من ذلك، وقال لي إيجارها في الليلة عشرة فرنكات، فوافقت. وظللت بملابسي أستخرج الأوراق التي سأكتب فيها خطة البحث الذي سأقدمه للأساتذة للموافقة عليه لنيل درجة الدكتوراه ووجدت الباب ينفتح ويأتي الرجل وبيده طبقا من شوربة الخضار الساخنة يقدمها لي؛ فشكرته وكانت خير جزاء لي بعد مغادرتي الباخرة والقطار. إلا أنني لم أقض فيها غير ليلة واحدة؛ لأنني لا أملك المال فذهبت في الصباح التالي إلى السفارة المصرية، ذهبت إلى السفارة المصرية لأسكن مع البواب الذي أخبرني بأن هذا لا يجوز؛ لأن السفارة مبنى دبلوماسي؛ لا يجوز لأحد أن يسكن فيه إلا موظفوه، وطلب أن أذهب لمنزل السفير المجاور حيث ذهبت إليه ولكني وجدته مغلقا بالكامل لا أحد فيه. حيث كان ذلك بسبب تأميم قناة السويس في يوليو 1956م وسحب السفير المصري وقطع العلاقات مع فرنسا، فذهبت إلى مسجد باريس لكي أقضي به ليلتي طبقا للعادات القديمة، ولكن إمام المسجد اعترض وأخبرني بأن هذا لا يجوز؛ لأن المسجد له تصريح خاص بأسماء موظفيه. وسلمني الإمام لأحد الجزائريين لكي يعتني بي. أخذني الجزائري وكان وجهه مملوءا بحب الشباب، وصحبني إلى الفندق الذي يقيم فيه في الحي السادس عشر شمال باريس كي أنام معه في غرفته؛ فذهبت وكانت الغرفة بها ستة جزائريين آخرين ينامون متعامدين، ثلاثة يمينا وثلاثة يسارا. وكان في وسط الغرفة مدفأة من الفحم. قضيت فيها ما يقرب من شهر، وكان صاحب المقهى تحت غرفتي في الفندق ينظر إلي صباحا ومساء حين أغادر وأعود دون أن يستنفع مني بشيء. فشربت فنجان قهوة في الصباح التالي وأنا لا أملك ثمنه إلا بصعوبة؛ وأذهب إلى منزل الخدمات الطلابية في الجامعة والذي لديه كشف بأسماء الغرف الخالية، وهي على أنواع: غرفة مجانية في مقابل إعطاء دروس لابن صاحب الشقة ومساعدته في المذاكرة، وكانت الغرفة فوق السطح مخصصة للشغالات، وغرفة أخرى إيجارها قليل لكرم صاحب الشقة أو لضيقها أو لبعدها من الجامعة. وكنا كطلبة نذهب منذ الصباح الباكر حتى نكون أول الواقفين في الطابور لنحظى بما نريد من الغرف، وبطبيعة الحال كنت أبحث عن الغرفة المجانية؛ فأخذت مرة عنوان غرفة وذهبت لمقابلة صاحب الشقة الذي يملكها، فلما رأى هيئتي وأنني أجنبي اعتذر، وقال لي صراحة: «شكلك سيضايق ابني.»

وفى مرة أخرى ذهبت لمكان آخر أبحث عن غرفة في مقابل إعطاء دروس لطفلهم الصغير، ولما رآني صاحب الشقة اعتذر أيضا دون إبداء السبب؛ فقررت أن أختار غرفة بأجر زهيد وهو النوع الثاني من الغرف التي يؤجرها أصحابها، وكانت قريبة من الجامعة، فقبل صاحبها أن يؤجرها لي، وكانت غرفة في السطح، فسررت. وبعد عدة أيام ذهبت للغرفة كعادتي فوجدتها مغلقة ومفتاحها لا يفتح وورقة على الباب تقول: «أغراضك التي في الغرفة أخذناها، وحجزنا لك غرفة في فندق قريب.» فذهبت لصاحب الشقة وسألته: «لماذا فعل ذلك؟ فقال: بأن أخاه كان موظفا في شركة قناة السويس وبعد تأميمها أخرجوه بحقيبة ملابسه من مصر وعاد إلى فرنسا.» وسألني: «هل تقبل أن أقبل بمصري يسكن في غرفة سطحي وأخي مطرود من مصر؟»

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٠٢