ولما توفيت دفنت في مقبرة العائلة التي كان اشتراها والدي في منطقة البساتين وكانت خالتي أول من دخلها.
وكانت خالتي دائما ما تتهم بأنها تفضلني على أخي، وأنها تعطيني، سرا، بعض المال ولا تعطيه هو. ولما عاتبها والدي ووالدتي قالت: «أتيت للقاهرة لأكون بجوار أختي التي أوشكت على الولادة، ولما تأخرت عدت إلى بني سويف وبمجرد أن دخلت إلى المنزل وجدت خبرا؛ تعالي بسرعة أختك بتولد؛ فركبت القطار من جديد وعدت إلى القاهرة.» وكانت بجوار أمي وهي تلدني، لذلك سموني «حسن». فكانت خالتي تشعر دائما بأنني ولدها وأن لا ولد لها غيري.
فكانت والدتي حين تشعر بضيق ذات اليد وليس هناك إمكانية الذهاب إلى بني سويف، وكان لها خال والدتها، تاجر جلود في «الصنادقية» وهو شارع متفرع من آخر شارع المعز لدين الله الفاطمي، بالقرب من جامع ابن طولون؛ كانت ترسلني إليه لنقترض منه بعض الجنيهات لا أظنها كانت تزيد عن الاثنين أو الثلاثة جنيهات، فكنت أذهب إليه في محله وهو جالس ينتظر الزبائن من تجار الأحذية والصناعات الجلدية الأخرى. وكانت شخصيته جادة أقرب إلى العبوس منه إلى الابتسام، وكنت أسأله ما كلفتني به الوالدة، فكان يدخل يده في جيبه ويعطيني ما أطلب، ولما تكرر الاقتراض منه مع أننا كنا نرجع ما اقترضناه في ظرف شهر على الأكثر عندما يستلم والدي مرتبه؛ كان يعطيني ويقول لي أو في نفسه «دي فلوس ناس» أي رأس المال الذي يتاجر به حيث يبيع الجلود وبثمنها يشتري أخرى جديدة، والفرق بين البيع والشراء كان ضئيلا يكفيه بالكاد هو وأسرته، وكانت له بنتان جميلتان على «وش جواز».
وكانت والدتي لا تقترض أبدا من الجيران؛ حفاظا على كرامتها وكرامتنا. مع أنهم كانوا ميسوري الحال. ومع ذلك كان لدينا مصروف يومي وهو أجرة الأتوبيس للجامعة ذهابا وإيابا، وكان المبنى الثاني للكلية الذي به قسم التاريخ الآن وقسم اللغة الإنجليزية، كان بوفيه للطلاب، والذي كان ثمن الوجبات زهيدا فيه، الوجبة بسبعة قروش ونصف، وتسمى «وجبة العميد». والمشروب كان بقرش واحد، وبعد تحول هذا المبنى إلى قاعات للدرس لقسمي اللغة الإنجليزية والتاريخ، تحول البوفيه إلى عربات للمأكولات والمشروبات حول مباني الكلية وطرقاتها.
ولما كانت الوالدة تذهب إلى بني سويف كي تزور جدتي وخالتي، وكانت شقيقاتي يدرسن بمدارس المعلمات، وكان والدي يعمل في الجيش، كان أخي الكبير يقوم بدوره في رعايتنا وأثناء سفر أمي.
وفى يوم من الأيام ملأ أخي صفيحة الماء إلى آخرها، وقام بوضعها على وابور الجاز لاستعمالها في الغسيل، ولما بدأت المياه بالصفيحة في الغليان، رفعها من على النار، فانبعجت الصفيحة لرقة حوافها وسخونة المياه؛ فانسكب الماء المغلي على ساعده، أسرعنا به إلى الصيدلية، فأعطوه علاجا بالزيت، وربطوها له، وأدركت مسئولية الأخ الكبير أو الأخت الكبيرة، وهي مسئولية صعبة وشاقة تصل لدرجة التضحية بالنفس في سبيل رعاية الأشقاء.
وفى يوم طلب مني أستاذي أحمد فؤاد الأهواني أن أقابل عبد الفتاح الديدي لمساعدتي في السفر، والذي عاد من فرنسا بعد عشر سنوات دون أن يحصل على شهادة الدكتوراه، وهو يعمل الآن مديرا لتحرير مجلة «المجلة» التي كان يرأسها الأديب الكبير يحيى حقي. وكان مقرها ملاصقا لسور قصر عابدين من ناحية باب اللوق، فكتب لي خطابا أقدم به نفسي إلى مديرة المكتب الطلابي في السفارة المصرية في باريس «مدام راتمباك». ولما وصلت باريس قدمت الخطاب لها وفتحته وعرفت المطلوب وهو مساعدتي، طأطأت رأسها إلى الأرض، وفهمت أنها لن تستطيع مساعدتي؛ فقد قطعت العلاقات بين مصر وفرنسا وبداية الاستعداد للعدوان على مصر أكتوبر 1956م، أي بعد وصولي إلى باريس بأقل من شهرين.