وبينما أنا في الطريق للذهاب من السفارة المصرية إلى مسجد باريس، قابلني شرطي أمن وطلب مني أوراقي الثبوتية إذ كان يبدو علي الإرهاق والتعب والبهدلة، فلما أعطيته جواز سفري وثبتت له صحة ما فيه وتحقق من شخصيتي قال لي مقارنا وجهى بالصورة التي في جواز السفر: «وجهك نحيف، ألا تأكل؟» فأجبت: «عن قريب.» قال ذلك لأني نحفت كثيرا خلال تلك الفترة القصيرة.
وذهبت إلى الجامعة في اليوم التالي إلى مكتب الخدمات الطلابية؛ كي أجد غرفة زهيدة الثمن حتى لو كانت بعيدة عن الجامعة؛ فوجدت عنوان غرفة كانت بعيدة عن الجامعة في الحي السادس عشر وهو حي «الأغنياء». وبدلا من أن تكون في السطح كانت في الطابق الأرضي. وبجوارها مخزن فحم تستعمله العمارة للتدفئة، وكانت الغرفة ليس بها نوافذ، بها فقط سرير ومكتب، وكانت الحوائط دافئة، فقبلتها ومكثت فيها حوالي سنة وأنا أكتب وأقرأ وأدرس فيها متمتعا بالدفء والسكون. وفي نفس الوقت كنت قد قدمت طلبا للمدينة الجامعية؛ كي أحصل على غرفة بأحد منازلها؛ فوجدت غرفة مزدوجة في منزل الولايات المتحدة الأمريكية مع طالب أمريكي شاب. والمنزل يطل على الشارع الرئيسي حول طريق باريس الرئيسي، تمر به الناقلات الضخمة ليل نهار، وأمام محطة مترو المدينة الجامعية. مكثت فيها سنة أيضا، وأنا لا أستطيع النوم ليلا من ضجيج الطريق وهدير عربات النقل الثقيل، وسألت الأمريكي: «كيف تنام في هذه الضجة؟» فقال إن منزله في شيكاغو فوق محطة قطار حيث اعتاد على الضجيج.
وكان هناك منزل للطلبة المصريين داخل المدينة ولكنه يسمى منزل الطلبة الأرمن عندما كان نوبار باشا وزيرا للتعليم، فرفض الطلب. قدمت طلبا إلى المنزل الألماني لأني أدرس الفلسفة الألمانية «الظاهريات» وأتكلم الألمانية وأريد أن أزيد فيها بالتحدث مع الطلبة الألمان، فوافق مدير المنزل؛ وانتقلت إلى غرفة مفردة حديثة، حوائطها من الزجاج الشفاف، تدخل منه الشمس، وفي الصباح يصير سريري أريكة أفتحها، وفي المساء أفرد الأريكة فتصير سريرا أنام عليه. وعشت في هذا المنزل ثلاث سنوات إذ يحق للطالب أن يسكن ويقيم في المدينة الجامعية لمدة أربع سنوات.
بعدها انتقلت إلى منزل الطلبة الرياضيين في بور رويال في غرفة مزدوجة مع أحد الطلاب المصريين الذين يدرسون الحقوق، والذي أصبح الآن أستاذا بجامعة عين شمس ومحاميا مشهورا. ووضعنا ستارا لقسمة الغرفة إلى اثنين. مكثت في هذا المنزل عامين، وتجاوزت المدة المقررة؛ فبحثت عن غرفة أخرى تكون قريبة من الجامعة في منطقة «دانفير روشيرو». وفي الميدان تمثال الأسد الكبير كالذي على واجهة كوبري قصر النيل، والذي بني في عصر الخديوي إسماعيل؛ فالنحات واحد، وكانت غرفتي فوق السطح ودورة المياه خارجها، وكان فيها المكتب والسرير، وصممت لها رفوفا من الحديد لكي أرتب كتبي، وما زال اسمي حتى الآن موجودا على اللوحة الخارجية للعمارة، قضيت فيها السنة الأخيرة من وجودي في باريس وقبل العودة إلى القاهرة.
وبعد العودة من فرنسا عشت مع الوالد والوالدة والشقيقة الصغرى من 1966-1970م حيث كان دخل الأسرة حينها معاش الوالد الذي يبلغ أربعة جنيهات في ذلك الوقت، وعلى عمل شقيقتي في البنك حيث يبلغ عشرة جنيهات، وبمساعدة أخي الأكبر بحوالي خمسة عشر جنيها.
لم يكن لي دخل؛ لأنني لم أعين بعد في الجامعة، وحدث ذلك بعد عام كامل؛ فاضطررت أن أقترض مبلغ مائة جنيه من صديق لي أستاذ في دار العلوم كان يدرس في إسبانيا وتعرفت إليه في باريس حيث زارني. وأعدتها إليه بعد عامين، واضطررت أن أكتب عدة مقالات في المجلات الثقافية التي كانت تصدر في ذلك العصر؛ مجلة الفكر المعاصر، المجلة، الكاتب، والطليعة.
وكان دخلي من مقال المجلة الأولى اثني عشر جنيها، ومن الثانية عشرة جنيهات، ومن الثالثة ستة جنيهات، ومن الرابعة أربعة جنيهات. وكان دخلي الشهري ما يعادل مرتبي لو كنت عينت بالجامعة.