تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم نكن جوعى، وكانت ماهية الوالد تكفي لإطعام الأسرة الكبيرة على الرغم من قلتها، كنا نشتري الدقيق من السحار؛ أي البقال على ناصية الحارة «شكك»؛ أي نأخذ الدقيق وندفع آجلا، ويكتب السحار في كراسة عدد المرات وحساب كل مرة، ثم يعطيه الوالد حسابه في أول كل شهر. ثم لاحظت الوالدة يوما زيادة مرة لم تأخذها، فقد كانت نسبة المرات هي مرة كل أسبوع أي أربع مرات كل شهر، ورأينا هذا الشهر أن الكراسة بها ست مرات، فذهب والدي إلى السحار ليحيطه علما بالأمر، فاقتنع الرجل وقال: «علشان خاطرك يا عم حنفي.»

وكانت الوالدة تقوم بالعجين في الصباح الباكر في الماجور، تأخذ العجين وترفعه وتخفضه عدة مرات حتى يصبح كالمطاط بعد أن تضع فيه الخميرة، وتترك العجين داخل الماجور حتى يصعد وينتفخ ويصير كالقبة. فتعرف حينها أن العجين قد اختمر؛ فتطلب «الطوالي» من الفرن أي الطاولات الخشبية، فترش الوالدة بعض الدقيق على سطحها، ثم تقرص العجين إلى قطع متساوية، وتضغطه لكي تكون القطع رقيقة، ثم تضعه على سطح الطوالي، وترص عليها الأرغفة بنظام، ويأتي صبي فران ليحملها على رأسه إلى الفرن لخبزها. حيث يدخله الفرن ويخرجه، حيث يرصه على أقفاص من الجريد لتوصيله إلينا، حيث نتناوله، وكان من حق صاحب الفرن أن يأخذ رغيفا من كل خبزة وهذا غير الأجرة. وكنت أقوم بعد الأرغفة التي يحصل عليها الفران كل يوم آخر النهار، فكنت أجد أنه يتناول الخبز هو وأسرته مجانا.

وكانت والدتي تقوم بعمل قراقيش وتضعها في «صاجات» حيث يأخذها صبي الفران أيضا، وبعد خروجه من الفرن يأخذ صاحب الفرن من كل صاج قرقوشة بالإضافة إلى أجره، ومرة أخطأت الوالدة في عدد القراقيش في كل صاج، وظنت أن صاحب الفرن أخذ أكثر مما يستحق؛ فأرسلتني إليه لكي أبلغه، ففتح درج المكتب الذي يجلس عليه، ورأيت فيه عددا قليلا من القراقيش بدلا من النقود تساوي ثمنه، ودفع به على الأرض، كي يقول لصبيه عدوا معه؛ فأحرجت، وأحرجت والدتي، خاصة أن صاحب الفرن كان جارا لنا، يسكن في الطابق الأعلى، وكان ابنه صديقا لي، وبناته صديقات لأخواتي.

كنا نلبس الطربوش كالعادة في هذا الزمان، فنحن أفندية «صغار»، وعندما لا نجد كرة نلعب بها، كنا نلعب بالطربوش، نقذفه بأرجلنا ككرة قدم فيهترئ، وينكسر الخوص الذي بداخله، ونعود إلى المنزل خائفين، وكان الوالدان لا يستطيعان أن يشتريا طربوشا جديدا. فكانوا يأخذون القديم إلى دكان «مكوى» الطرابيش ليصححه قدر الإمكان، وينذرني الوالدان بأن هذه آخر مرة يقومون بكي الطربوش الذي كان يكلفهم أموالا. فكنت أمتنع عن اللعب به حتى لا أدخل المدرسة بغير طربوش كما هددوني بذلك.

ولما كثرت علينا المصاريف خاصة ونحن في المدرسة أو في الجامعة كانت والدتي تذهب إلى بني سويف حيث تغمزها جدتي ببعض المال. وتحزن خالتي لأن جدتي تفضل أمي عليها وتعطيها أكثر منها. كانت جدتي تقول لها: «أختك صاحبة عيال ولكن أنت لا تحتاجين.» وعلى مدى أربع سنوات، خاصة ونحن في الجامعة، كانت والدتي تذهب كل عام إلى بني سويف، كي تبيع منزلا من منازلها بمبلغ أربعمائة جنيه. وتأتي بالأموال كي نشتري البدلة والحذاء والحقيبة المدرسية الجديدة. كما كنا نطلي منزلنا من الداخل بالجير، ونشتري ما نحتاج إليه والذي لم نكن نستطيع الحصول عليه بمرتب الوالد القليل.

وبعد أن باعت والدتي منازلها كلها، طلبت جدتي من «خالتي أم عبد الله» أن تبيع منازلها وتعطي ثمنها لوالدتي لأنها أكثر احتياجا، وبالرغم من أن اسم خالتي «أم عبد الله» كانت عادة في الريف قديما، يطلقون اللقب على السيدة التي لم تتزوج ولم تنجب حتى لا تحزن وتشعر بالدونية تجاه الأم الولود.

وكانت خالتي تبيع منزلا كل عام وتعطي ثمنه لوالدتي، ولما توفيت جدتي وباعت خالتي منازلها إلا منزل جدتي عاشت فيه أولا بمفردها والمصاغ في يدها، خشينا عليها من الاعتداء والسرقة، وطلبنا منها أن تعيش معنا في القاهرة، مع أختها - والدتي - وفي حماية زوج أختها، ووسطنا. فرفضت في البداية ولكنها بعد ذلك وافقت، وأتت إلى القاهرة، وعاشت معنا في نفس المنزل في غرفة خاصة نخدمها، ونعتني بها ونسليها، فإذا غضبت منا يوما قالت: «ياللي بيعتوني بيوتي». وكان والدي يمزح معها، ويخطف طبق طعامها، وكانت هي تبصق في الطبق حتى لا يستطيع أحد أن يأكل منه بعدها.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٠٠