تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكلاهما لا يعترف بالآخر؛ ففي إسرائيل لا يوجد إلا شعب الله المختار، وغيرهم «جونيم»؛ أي أغيار،

قالوا ليس علينا في الأميين سبيل (آل عمران: 75). يجوز لهم الذبح والقتل والتدمير وتجريف الأراضي والقضاء على الزرع والحرب والبشر، نساء وأطفالا وشيوخا. وفي أمريكة لا توجد إلا الحرية والديمقراطية، نموذج العالم الحر، والنموذج الأمريكي هو النموذج الذي يقتدي العالم كله به.

كلاهما يستعمل القوة والعنف وكافة أساليب الحرب والدمار لتحقيق أغراضه، ويذاع أن أقوى جيشين في العالم هما الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي؛ فأمريكة بلا حدود، وتستطيع أساطيلها وصواريخها وطيرانها من خلال قواعدها المنتشرة في كل أنحاء العالم الوصول إلى كل قارات العالم الخمس. وإسرائيل أيضا بلا حدود، حدودها هي ما يستطيع جيش الدفاع الإسرائيلي الوصول إليه إلى أواسط آسيا وأفريقية وأوروبة. كلاهما إمبراطورية للتوسع والانتشار، من النيل إلى الفرات في إسرائيل، وكل العالم الحر في أمريكة.

كلاهما يعبد القوة والمال والثروة والسيطرة على المقدرات الاقتصادية والمالية للعالم، والبنوك والشركات والاستثمارات والصناعات الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات، العابرة للقارات. ومن خلال الاقتصاد تسيطر على السياسة.

كلاهما ذو مصالح مشتركة؛ السيطرة على النفط العربي الإسلامي وعوائده واستثماراته، والسيطرة على الأسواق العربية وكل مصادر الثروة الطبيعية في العالم. كلاهما تتحكم فيه القيم المادية

وما يهلكنا إلا الدهر (الجاثية: 24). دينية في الظاهر، ومادية في الباطن.

كلاهما يشيعان ثقافة الاستهلاك بدعوى الرفاهية والوفرة. كلاهما يبغي القضاء على استقلال الشعوب، ثقافيا وسياسيا واقتصاديا؛ حتى تتم لهما السيطرة على العالم.

وبالرغم من الخلاف في الظاهر، إسرائيل دولة صغيرة، وأمريكة قارة كبرى، إلا أن الدولة الصغرى تقوم بدور الدولة الكبرى من خلال النفوذ في العالم، والدولة الكبرى تقوم بدور دولة صغرى قصيرة النظر دون وعي تاريخي ورؤية بعيدة لمصالحها ومستقبلها. وبالرغم من أن إسرائيل تعتمد في وجودها على العون الخارجي في المال والسلاح، وإحساس الغرب بالذنب تجاهها لما اقترفته النازية وكافة أشكال الاضطهاد لليهود في العالم، إلا أنها تقوم بلعبتها الخاصة، وترسم سياسات الدول الكبرى لما اكتسبته من خبرات مختلف الشعوب وتراثها التاريخي الطويل. وكذلك أمريكة بالرغم من أنها تملك كل المقومات الداخلية الاقتصادية، إلا أنها خاضعة لجماعات الضغط المختلفة، ومنها اللوبي الصهيوني لتوجيه سياسات الولايات المتحدة لصالحها.

هذا الاتفاق في النشأة والبنية والأهداف هو الذي يوحد بين الصهيونية والمحافظة الجديدة، بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية إلى حد التطابق الأعمى؛ فغزو العراق لصالح إسرائيل أولا، وتهديد إيران لحماية إسرائيل أولا، والسلام والتطبيع لصالح إسرائيل أولا، ومناهضة العنف لصالح الاعتدال لمصلحة إسرائيل أولا، بل لقد وحدت الصهيونية المسيحية أو المسيحية الصهيونية بينهما في أيديولوجية واحدة تحقق الأهداف المشتركة.

ولقد خلقت الأيديولوجيتان والسياستان الصهيونية والأمريكية موجة عداء لهما في كل أنحاء العالم، حتى في قلب العالم الحر، باعتبارهما عنصرية وهيمنة وتوسعا. تبشر بعالم جديد يقوم على العدل وليس على القوة، على المساواة بين الشعوب وليس على الاستعلاء العنصري. وقد دفع ذلك بعض فلاسفة التاريخ والحركات المناهضة إلى التنبؤ بسرعة انهيار الأسطورتين؛ التفوق الإسرائيلي والتفوق الأمريكي، بل وبنهاية إسرائيل والإمبراطورية الأمريكية في المستقبل، طال الأمد أم قصر، أسوة بقوم عاد وثمود، وفرعون وهامان.

الدولة اليهودية

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٩١