تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصهيونية والمحافظة الجديدة

أيديولوجيتان للهيمنة سادتا العصر الحديث؛ الصهيونية للهيمنة على الوطن العربي، بل والعالم الإسلامي في أفريقية وآسيا، وعلى العالم الغربي، أوروبة والولايات المتحدة الأمريكية؛ أي على العالمين القديم والجديد معا. والمحافظة الجديدة للهيمنة على العالم كله، خاصة في أفريقية وآسيا وأمريكة اللاتينية، مصادر الطاقة والثروة الطبيعية والعمالة الرخيصة والاستهلاك. وقد عانى العرب والمسلمون منهما معا. احتلت أوطانهم، واستعبدت شعوبهم، وتابعت نظمهم السياسية، تجد فيهما التأييد الخارجي بعد فقدانها الشرعية الداخلية.

وهناك اتفاق في النشأة والبنية والهدف بين الأيديولوجيتين والدولتين اللتين تبنتهما إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد نشأت كلتا الدولتين على أنقاض شعب آخر؛ الشعب الفلسطيني، وسكان أمريكة الأصليين. تحول الشعب الفلسطيني إلى مجموعة من اللاجئين خارج فلسطين، في المخيمات وفي أوروبة وأمريكة وفي باقي بقاع العالم. وحلت محلهم هجرات يهودية من كل بقاع العالم تحت شعار «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

وكما عاش ما تبقى من سكان أمريكة الأصليين (الهنود الحمر) في محميات داخل وطنهم، كذلك يعيش عرب 1948م في قرى داخل وطنهم المغتصب.

وكما فشلت أمريكة في جعل نفسها «بوتقة انصهار» للشعوب المهاجرة، وظلت القضية العنصرية أحد قضاياها الرئيسية بين البيض والسود، والإسبان والآسيويين، والعرب والمسلمين، كذلك ظلت المسألة العرقية مسألة رئيسية في إسرائيل بين اليهود الشرقيين (السفرديم) واليهود الغربيين (الأشكناز)، بين الدينيين والعلمانيين، بين الأغنياء والفقراء، بين أنصار الحرب وأنصار السلام.

كلاهما دولتان حديثتان، نتاج العصر الحديث؛ فقد وصل كولومبوس أمريكة عام 1494م، بعد سقوط غرناطة 1492م آخر معاقل المسلمين بالأندلس، وبنفس الخرائط العربية التي تتحدث عن كروية الأرض؛ فعمر الولايات المتحدة حوالي خمسة قرون مقارنة بالشعوب العربية، وعمرها آلاف السنين، مصر القديمة والعراق وحضارات ما بين النهرين وفلسطين أرض كنعان وشبه الجزيرة العربية وحضارة اليمن السعيد.

وقد تحولت الأيديولوجيتان من نزعتين دينيتين إلى أيديولوجيتين سياسيتين؛ فقد نشأت الصهيونية نزعة روحية في القرن التاسع عشر من أجل المحافظة على التراث الروحي اليهودي عند الكالي بعد أن فشل التنوير العقلاني عند اسبينوزا ومندلسون، ثم تحولت إلى أيديولوجية سياسية في القرن العشرين إثر اضطهاد اليهود في مجموع أوروبة شرقا وغربا بعد حادثة درايفوس الشهيرة في فرنسة، وبداية الاضطهاد النازي للملل والأعراق غير الجرمانية مثل اليهود، والتي رفضت الانتماء الوطني واستثمار رءوس أموالها في مشاريع التنمية الوطنية، وآثرت العزلة والخصوصية وحياة الجيتو. وحدث نفس التحول في النزعة المحافظة الجديدة التي نشأت نزعة دينية للمحافظة على التراث المسيحي ضد النزعة المادية الدنيوية الأمريكية، وقبل أن تتحول إلى أيديولوجية سياسية عند المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية الحالية.

وتقوم الأيديولوجيتان على الاختيار الإلهي؛ فقد اختار الله أمريكة لإنقاذ العالم وقيادته، وكما هو مدون على الدولار «نثق بالله»، بل إن بعض الفرق المسيحية الأمريكية تدعي بأن المسيح قد ظهر لها، وأن نبوة جديدة قد أعطيت لأحد أنبيائها للتأكيد على إنقاذ الرجل الأبيض للعالم؛ فهي أيديولوجية من السماء، ودعاتها رسل وأنبياء، ومحققوها قديسون وأولياء. لا يخطئون، ولا توجههم مصالح. أطهار أتقياء أصفياء.

وكلاهما يقوم على وعد إلهي بالنصر حتى لو تكررت الهزائم، هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر 1973م، وأمام حزب الله في حرب لبنان في يوليو 2006م؛ فجيش الرب في إسرائيل لا يقهر، والقوة الأمريكية قادرة على غزو العالم كله، حتى ولو لم تصمد أمام المقاومة العراقية والأفغانية.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٩٠