تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذا الإطار التاريخي يمكن قراءة زيارة ملك إسبانية للمدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية، بعيدا عن تراثها الجمهوري الحديث أثناء الحرب الأهلية، وتراثها الأندلسي القديم أثناء حكم العرب والمسلمين، والذي ما زالت تفخر به أمام العالم في غرناطة وقرطبة وأشبيلية وطليطلة. وماذا عن إعلان برشلونة الذي أصبح نموذجا للتعاون بين دول البحر الأبيض المتوسط؟ وماذا عن عودة الروح إلى إسبانية عن طريق الأندلس الجديدة، واعتزازها بثمانية قرون من التراث العربي الإسلامي؟

إن الوعي الأوروبي الاستعماري يتفجر من جديد بعد نكوص الحركات الوطنية والتفريط في مكتسباتها، وتحولها إلى نظم سياسية قاهرة للداخل، وتابعة للخارج. وقد بدأ ذلك بالاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق، واحتلال إسرائيل لكل فلسطين، وتهديد إيران وسورية وحزب الله، محور الشر، والعمل على تفتيت السودان والصومال، وتحويل الوطن العربي والعالم الإسلامي إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية، تصبح إسرائيل بينها دولة يهودية، كما صرح بذلك رئيس وزرائها، وليست مجرد دولة علمانية حديثة، تقوم بدور مصر في تحديث الوطن العربي، وتأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافية السياسية المحلية للمنطقة، وليست من أساطير الميعاد القديمة، شعب الله المختار وأرض الميعاد.

إن زيارة ملك إسبانية للمدينتين المغربيتين المحتلتين رمز وإشارة. رمز على أن الوعي الأوروبي الاستعماري لم ينته بعد، وإشارة على أن استمرار الهجرات المغربية إلى إسبانية، والعربية إلى أوروبة، هو احتلال غير مباشر، وفتوحات جديدة من الجنوب في الشمال عن طريق العمالة المهاجرة، في حاجة إلى حركة «استرداد» جديدة، ومد من الشمال إلى الجنوب. وإذا كان «الإرهاب» الإسلامي قادما من الجنوب إلى الشمال، فإن «الاستعمار» الغربي قادم من الشمال إلى الجنوب. وقد تكون عودة أوروبة إلى وعيها الاستعماري القديم أحد الحلو لحل أزمات أوروبة الداخلية؛ فقد الروح وخواء النفس، وما سماه بعض الفلاسفة «أفول الغرب»، أو «أزمة الوعي»، أو «قلب القيم».

فإذا كان المشروع الأوروبي القديم لا يستهوي الأجيال الجديدة، أكبر قدر ممكن من الإنتاج لأكبر قدر ممكن من الاستهلاك لأكبر قدر ممكن من السعادة، فلعل الوعي الاستعماري القديم للمحافظين الجدد والباحثين عن الذهب من الذين عبروا المحيطات إلى نصف الكرة الغربي، يعطي دفعة جديدة لأوروبة. وقد توقفه حركة تحرر عربي وطني ثانية لرد الهجمة الاستعمارية الجديدة. إنما تستطيع الأجيال الجديدة أن تبدأ عصورا حديثة أوروبية جديدة، خالية من المعيار المزدوج؛ الحرية والتحرر لأوروبة، والهيمنة والتسلط على غيرها، وتعمل لأجل إنسانية واحدة، دون مركز ومحيط، وشمال وجنوب، وغرب وشرق.

العنف الأمريكي في الداخل أيضا

العنف الأمريكي ليس في الخارج وحده، العدوان على العراق وأفغانستان، والسودان وليبيا من قبل، وتهديد لبنان وسورية وإيران والصومال بالتدخل؛ فهي شرطي العالم الذي يفرض قانونه بالعصا على كل من يشق عصا الطاعة على «فتوة» الحي. وما يحدث في الخارج من عدوان على الشعوب، يحدث في الداخل أيضا بالعدوان عليه من مواطنيه؛ فالمجتمع مفرغ من الداخل. وبقدر ما تستعمل الولايات المتحدة الأمريكية القوة ضد الخارج، القوة المنظمة بالجيوش وأسلحة الدمار الشامل، تستعمل القوة ضدها في الداخل بنفس العدوانية وقتل الأبرياء. الجريمة المنظمة في الخارج تقوم بها الدولة، والجريمة المنظمة في الداخل يقوم بها الأفراد.

هذا ما حدث منذ شهر تقريبا في ولاية فرجينيا في كلية الهندسة بمدينة بروزبرج، عندما أطلق مهاجر أمريكي من أصل كوري جنوبي النار على الطلاب والأساتذة، فقتل اثنين وثلاثين من الأمريكيين والأجانب بدم بارد مع سبق الإصرار والترصد، وتسجيل العملية منذ بدايتها بالصوت والصورة في مجتمع يعشق الإعلام ويقدسه.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٨٧