ويبدو أن المعيار المزدوج كان مصاحبا منذ البداية للوعي الأوروبي الحديث، مبادئ التحرر من التسلط، والحرية ضد القهر فقط لأوروبة، والهيمنة والاستعمار والسيطرة على غيرها. فمنذ أن أصبحت أوروبة هي مركز العالم الجديد بعد سقوط غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس، انتشرت خارج حدودها الجغرافية إلى ما وراء البحار، اعتمادا على خرائط المسلمين ونظرياتهم في كروية الأرض، حتى وصلوا إلى النصف الكرة الغربي عبر الأطلنطي واحتلال القارتين القديمتين شمالا وجنوبا باسم الكشوف أو الاستكشافات الجغرافية، وكأن نصف الكرة الغربي لم يكن موجودا قبل قدوم الرجل الأبيض إليه، وكأن السكان الأصليين لا وجود لهم. وإن وجدوا يستأصلوا عن بكرة أبيهم حتى تخلو الأرض للمستعمر الجديد، وإحلال سكان آخرين محلهم؛ رقيق أفريقية الذين تم اصطيادهم كالحيوانات بالملايين. منهم من غرق في المحيط، ومنهم من وصل إلى الأرض عبيدا أرقاء لتعمير الأرض.
حدث ذلك في عصر الإصلاح الديني عند لوثر وكالفن. في الوقت الذي كانت فيه أوروبة تحرر نفسها من تسلط الكنيسة والإقطاع على يد لوثر ومونزر، كانت تستعبد غيرها وتلف حول البحار، وتعبر المحيطات غربا للوصول إلى جزر الهند الشرقية، أو شرقا عبر جنوب أفريقية والمحيط الهندي وبحر العرب من أجل الالتفاف حول العالم القديم كله. وفي عصر النهضة الذي تلا الإصلاح الديني احتلت القوى الأوروبية الجديدة السواحل، إنكلترة وفرنسة وإسبانية والبرتغال، نصف الكرة الغربي، وإنكلترة جنوب أفريقية. وقضت على إمبراطورية المغول الإسلامية في الهند. وانضمت هولندا إلى الركب فاحتلت جنوب شرق آسيا، أندونيسية، أكبر أرخبيل في العالم، واحتلت إسبانية الفلبين، وفيما بعد احتلت إنكلترة ماليزيا وإيران وأفغانستان. وفي عصر الثورة الفرنسية المجيدة احتل نابليون مصر. وبلغ الاستعمار الذروة في القرن التاسع عشر في وقت بلغت الرومانسية في أوروبة أوجها والدفاع عن قيم الحرية، وما سماه لسنج «العاصفة والاندفاع» باحتلال فرنسة وإنكلترة وبلجيكا أواسط أفريقية، وفرنسة الجزائر. وبعد خسارة تركية الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين، وفي وقت بدأت أوروبة تكمل عصر العلم والصناعة، احتلت فرنسة وإنكلترة الوطن العربي في المشرق والمغرب، وروسية والجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا.
لم تختلف إذن العصور الحديثة رمز الحرية والتحرر والثورة ضد السلطة والتسلط عن الوعي الاستعماري الأوروبي القديم منذ اليونان والرومان، الذين استعمروا الشرق حول البحر الأبيض المتوسط، واندفع الإسكندر نحو مصر والهند وأواسط آسيا والشرق لتكوين إمبراطورية يونانية تفتت بعد موته بين قواده. كما اندفع قياصرة الرومان حول سواحل البحر الأبيض المتوسط لجعله بحيرة رومانية، وحررها العرب بعد ظهور الإسلام. واستأنف الصليبيون نفس الاندفاع الاستعماري بدعوى تخليص المدينة المقدسة من أيدي المسلمين، وانتصر عليهم صلاح الدين، واستعاد أراضي المسلمين في الشام، ثم استؤنفت الحروب الصليبية في المغرب بعد فشلها في المشرق، وأخرج المسلمون من إسبانية، واحتلت مدن الساحل الشمالي الأفريقي سبتة ومليلية، وفي الساحل الجنوبي في الصحراء. وأثناء حركة التحرر الوطني قايض الإسبان الصحراء الجنوبية بالمدن الشمالية. وفضل المغرب الانسحاب من الجنوب، وتأجيل الانسحاب من مدن الشمال. واحتلت إنكلترة طنجة وجبل طارق، كما احتلت مالطة وقبرص وقناة السويس والمنافذ البحرية خارج البحر الأبيض المتوسط في عدن ورأس الرجاء الصالح وسنغافورة؛ حتى تسيطر سيدة البحار على العالم من خلال السيطرة على طرق المواصلات البحرية.
وقد دافعت الإمبراطورية العثمانية عن سواحل المغرب العربي حتى الجزائر، وحررت ثماني مدن وهي في أوج انقضاض الغرب على «الرجل المريض» وتقطيع أوصاله. وبعد حركات التحرر بقي الوعي الأوروبي وعيا استعماريا يعاود هيمنته كلما ضعف الآخر، لا فرق في ذلك بين إسبانية ممثل الاستعمار القديم، وأمريكة ممثل الاستعمار الحديث.