تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اندماج المهاجرين حتى من الجيل الثاني لم يتحقق، وبوتقة الانصهار التي أرادتها أمريكة مجرد أسطورة.

فالمجتمع ما زال فسيفساء من المهاجرين طبقا للون والأصل العرقي، وعلى مراتب كما هو الحال في نظام الطبقات في الهند. أعلاها الأنجلوسكسونيون البيض البروتستانت الذين هاجروا أول مرة من بريطانية، واستقروا على الساحل الشرقي حيث السلطة والمال، ثم تتراتب الطبقات من الأعلى إلى الأدنى؛ الألمان، والإيطاليون طبقا لطبقاتهم الأصلية في أوروبة، ثم يأتي في ذيل القائمة الإسبان ثم السود.

مع أن الإسبان هم الذين اكتشفوها، والسود هم الذين بنوها بعد أن تم اصطيادهم من أفريقية عبيدا ليحلوا محل الملايين من السكان الأصليين الذين تم استئصالهم. ومن تبقى منهم وضعوا في محميات للسياحة ولاستديوهات هوليود. لم يندمج القاتل من أصل آسيوي في المجتمع الأمريكي. وشتان ما بين أمريكة وآسيا، بين العالم الجديد والعالم القديم، بين قارة الذهب والمال، وقارة الديانات والحضارات.

والطالب في كلية الهندسة؛ أي في كلية عملية تقوم على العقل والعلم. عاش الطالب القاتل وحيدا نفسيا لا يشارك المجتمع قيمه. عاش متوحدا مع نفسه، ومتغربا مع غيره؛ مما أدى إلى الانفصال الكامل بين الفرد والمجتمع، بين المواطن والدولة. ويبدو أن العلوم الطبيعية والرياضية لا تملأ الفراغ الروحي لدارسيها كما تفعل العلوم الإنسانية، ولا تشبع فيهم البحث عن معاني الحياة والوجود والمصير. إنما يظهر التنظيم الهندسي في الجريمة المنظمة التي تقوم بها أمريكة في الخارج عن طريق أجهزة الاستخبارات والجيوش النظامية، ويقوم بها الأفراد في الداخل عن طريق الإعلام وأجهزة التسجيل الصوتي والمرئي. وهي ليست حادثة فردية معزولة، بل نمط سلوكي أمريكي في رفض المجتمع وقيمه، والدولة ونظامها كما حدث من قبل في تفجير المبنى الفيدرالي الأمريكي في أوكلاهوما من أمريكي أبيض تيموتي ماكفاي، لا يعترف إلا بالقوة الفردية واستقلال الولاية. والقاتل الانتحاري الجديد يستأنف عملية القتل التي تمت في جامعة كولومبيا. دبرها أيضا أمريكيان أبيضان، ديلان كليبولد وأريك هاريس. ولن تكون الأخيرة طالما العنف هو نموذج السلوك الأمريكي؛ العنف في الخارج على الآخرين، والعنف في الداخل على النفس.

وفي تسجيله الصوتي المرئي على مدى عشر دقائق، وألف وثمانمائة كلمة، وثلاث وأربعين صورة، وسبع وعشرين لقطة فيديو، عبر الطالب عن رفضه لقيم المجتمع الأمريكي، وأسلوب الحياة الأمريكي، والحلم الأمريكي، وأسطورة التفوق الأمريكي، والغرور الأمريكي، والرموز الأمريكية، المرسيدس وثقافة العربات والطرق السريعة وصناعة السيارات في دترويت وغيرها. والقلادة الذهبية التي تزين بها النساء جيدها مظهر من مظاهر الغنى. وقد كان البحث عن الذهب أحد أسباب الاندفاع نحو الغرب الأمريكي في الهجرات الأولى. وحسابات البنوك والودائع والمدخرات حياة الأمريكي، خاصة بعد التقاعد؛ لينعم بالحياة بعد أن شقي في الإنتاج الذي قضى فيه شبابه. والوفرة الأمريكية تؤدي إلى الإشباع الكامل لحاجات البدن، ولكنها لا تؤدي إلى سعادة الروح. الوفرة الزائدة عن الحاجات تصيب الإنسان بالغثيان. والفودكا والكونياك رمز السكر والعربدة، والانغماس في ملذات الدنيا. ويضاف إليها اللبان والآيس كريم والكوكاكولا، وهو ما لا يستطيع الأمريكي الاستغناء عنه وهو في قلب المعارك وفي أتون الحروب. الأمريكيون هم أسباب الشقاء في العالم، أطفال السوء، والرجال الأشقياء، ورسل الخطيئة، وغواية الشيطان.

قتل الطالب منذ السابعة صباحا طالبين لإبعاد الانتباه عما تبقى من الجريمة، وانخدعت الشرطة، وحاصرت المبنى الأول الذي قتل فيه الطالبان، وزادت في العدد، وأحضرت الأسلحة، وحشدت القوات. وباقي الجريمة تتم بعد ذلك بثلاث ساعات في قاعة الدرس، حيث اجتمع عشرات الطلاب في الصباح للاستماع إلى الأستاذ الذي أغلق الباب وحصنه حتى لا يهرب أحد. والشرطة ما زالت في المحل الأول، واقعة تحت الخداع ضد أسطورة الشرطة الفائقة العدة والعتاد، والتي قتلت من قبل عشرات المعارضين السياسيين وقادة المظاهرات والاحتجاجات السوداء. وتم قتل ثلاثين طالبا من مسدسين آليين كما يفعل رامبو في العراق؛ من قتل الآمنين، ودك المنازل بمن فيها على من فيها بالطائرات. فاستعراض القوة يشبع غرور النفس، وقتل الأبرياء وتعذيبهم يشبع عقدة الصادية عند الأمريكي، وتلذذه بإيلام الآخرين.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٨٨