وقد كشف عن ذلك من قبل هربرت مركوزه في «الإنسان ذو البعد الواحد» في المجتمعات الصناعية المتقدمة. وملأت أخبار الرواية وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وتصدرت عناوين الصحف الرئيسية، وغطت على مآسي العالم في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وجرائم الغرب، مع إبراز جرائم العرب في دارفور والصومال؛ فما زال المركز الأوروبي هو الموجه للإعلام العالمي بالعولمة وأشكال الهيمنة الجديدة، أو بالغزو العسكري المباشر؛ الشكل القديم.
والموضوع هو السحر. وهاري بوتر ساحر قادر على فعل الأعاجيب؛ فقد تشبع الوعي الأوروبي بالعلم والعقل والواقع والمحسوس، وبه الآن شغف شديد للخيال والمعجزة والأسطورة والغيب والخرافة؛ فقد قضى الغرب بنفسه على مثل التنوير، وقطع أنفه بيديه. هدم العقل والعلم والإنسان والمساواة والحرية والتقدم لصالح اللاعقل والخبل والخرافة والآلة والنخبة وسيطرة الأنظمة وشبكات المعلومات. ويبحث عن بطل جديد يحل محل طرازان القديم، ورامبو الأمريكي الأول والثاني والثالث. تعلم البطل السحر في المدارس وليس في العلم، وأظهر براعته في السحر وليس في العلم، ومهد الخيال العلمي السحري للخيال السياسي؛ للاستيلاء على العالم والهيمنة عليه كما تفعل أنظمة المعلومات والقوى الكبرى الآن. فالوعي الأوروبي ما زال قادرا على عمل المعجزات للسيطرة على العالم بعد أن رفض من قبل معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وأعاجيب القديسين، وتنازل عن دفاعه المستميت القديم عن حتمية قوانين الطبيعة. وانتقل من العلم إلى السحر، ومن العقل إلى الأسطورة، ومن النهاية إلى البداية من جديد.
هل هذه نهاية حضارة وبداية أخرى؟ هل تمت دورة العود الأبدي في مسار الحضارات؟ ما يسعى إليه الغرب من سحر وخرافة وأسطورة وإعلام وتغييب للوعي، هو ما نسعى نحن الآن في التخلص منه لصالح العلم والعقل والواقع والتقدم والتاريخ. وما ينقده الغرب من مثل التنوير في القرن الثامن عشر هو ما نستدعيه نحن منذ الطهطاوي، مركبا إياها على التراث الاعتزالي ووضعية الشريعة الإسلامية كما حددها الشاطبي.
وستسرع دور النشر العربية في ترجمة سباعية هاري بوتر؛ ليس بدافع مضمونها، بل من أجل التوزيع والكسب السريع. وتبقى عشرات الكتب العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لا تجد لها ناشرا إلا إذا دفع المؤلف كليا أو جزئيا مصاريف الطباعة. الكتابة والقراءة ظاهرتان اجتماعيتان تعبران عن ظروف كل حضارة ومسارها في التاريخ. ومن يدري؟ فربما يخلق «هاري بوتر» عربي، «هاني جوهر»!
هل تحرر الوعي الأوروبي من الاستعمار؟
أثارت زيارة ملك إسبانية للمدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلية مشاعر العرب والمسلمين، وذكرتهم بماضي أوروبة الاستعماري الذي لم يتوقف حتى الآن.
فالاستعمار دفين في الوعي الأوروبي. يكمن أحيانا، ويتفجر أحيانا أخرى. لم يتخلص الوعي الأوروبي في رؤيته للعالم وللآخرين من الاستعمار؛ فالآخر والعالم لا وجود لهما في ذاتهما إلا من خلال تأكيد أوروبة لذاتها كقوة وحيدة في العالم، ووجود وحيد للذات؛ فلا وجود لغير المركز، والباقي أطراف. ولا وجود لأوروبة غير الحقوق، وعلى الآخرين الواجبات.
لقد صدرت الحضارة الأوروبية نفسها، وأوهمت العالم من خلال تدوين التاريخ أنها حضارة الحرية والديمقراطية والعلم والتقدم والإنسان. وهي مثل التنوير التي جسدتها مبادئ الثورة الفرنسية الثلاثة، الحرية والإخاء والمساواة، كما جسدت حركة التحرر العربي في مصر وسورية مبادئها في شعار «الحرية والاشتراكية والوحدة»، بصرف النظر عن الترتيب والأولوية للحرية في مصر، وللوحدة في سورية.
قدمت الحضارة الأوروبية في عصورها الحديثة نفسها بأنها ثورة ضد التسلط، وتحرر من القهر ورموزه؛ الكنيسة، والإقطاع في الحاضر في الدين والسياسة، وأرسطو وبطليموس والشروح العربية الوافدة في الثقافة والعلم. واستمرت الثورة في بداية العصور الحديثة ضد الملكية والرأسمالية حتى قامت الثورات الجمهورية والاشتراكية.